كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

أصداء بلاغة الإمام علي (ع) في شعر أبي فراس الحمداني – (1) تزول الجبال ولا تزل

 يعد ابو فراس الحمداني من أبرز شعراء العربية جمع بين الفروسية والبلاغة وبين السيف والقلم وبين البطولة والعاطفة وقد بلغ مراقي المجد واحتل مكانة رفيعة ومرموقة بين شعراء عصره بما جادت به قريحته الواسعة ولا يختلف اثنان في مكانته العالية والفريدة وفي هذه الأسطر القليلة نحاول أن نضيء جانبا من مكامن ودرر شاعرنا العظيم ابو فراس الحمداني وهو استلهامه وتأثره بكلمات وآثار الإمام علي بن ابي طالب(عليه السلام ) وهو ما يبدو جليا وواضحا في طيات بعض ابياته وقصائده وعلى سبيل المثال
يقول أبو فراس الحمداني في رثاء جابر بن ناصر الدولة الحمداني

بِقَلبي عَلى جابِرٍ حَسرَةٌ تَزولُ الجِبالُ وَلَيسَت تَزولُ
لَهُ ما بَقيتُ طَويلُ البُكاءِ وَحُسنُ الثَناءِ وَهَذا قَليلُ۱

فإننا نرى صدى كلمات الامام علي (عليه السلام ) ظاهرا في عجز البيت الأول وهو قوله :

تزول الجبال وليست تزول

وهو ما يبين تأثر الحمداني بقول امير المؤمنين(عليه السلام) لولده محمد بن علي (ع) المعروف بابن الحنفية لما أعطاه الراية يوم الجمل
فقال الإمام علي (عليه السلام) له :( تزول الجبال ولا تزل عض على ناجذك أعر الله جمجمتك تد في الأرض قدمك أرم ببصرك أقصى القوم وغض بصرك وأعلم ان النصر من عند الله سبحانه ) ٢

الإمام علي (ع) في خطبته يقول (تزول الجبال ولا تزل) يحث ابنه وحامل رايته محمدا على الثبات في القتال ويوصيه بأن يكون أثبت من الجبال الرواسخ في معامع المعارك وهو كما قال الإمام علي (ع)

بينما شاعرنا الحمداني قد وظف العبارة ( تزول الجبال وليست تزول) إشارة إلى ثبات الحزن والعاطفة الجياشة في قلبه بفقده ابن عمه جابر بن ناصر الدولة الحمداني ولقد ابدع الحمداني بهذا الوصف وهو يدل على عمق الكلمة العربية وجماليتها فإنها تُوظَّفُ في معان كثيرة والعبارة واحدة ظاهرا وكيف لا يكون مبدعا وهو الذي جعل الامام علي (ع) قدوته فاغترف من معينه الذي لا ينضب وقد اجاد الحمداني بتوظيف العبارة ولم يكن مجرد اقتباس بل اعاد تشكيل دلالتها فنقلها من حقل البطولة إلى حقل العاطفة ..


وهذا التقاطع بين النصين يكشف قوة النص العربي من حيث دلالاتها الكثيرة فالنص الأول المصدر الأصيل وهو كلمات الامام (ع) يشير إلى ساحة المعركة في حين ان الحمداني تأثر بالنص الأول واعاد إنتاجه بشكل جميل ايضا ولكن في مجال آخر وهو الثبات على الحزن والاسى حيث رثى جابرا ...


مما تقدم يتضح ان الحمداني كان اديبا واسع الاطلاع والمتأمل في شعره يرى ذلك بشكل جليّ فقد هضم علوم العربية هضما واستقى ذلك من منابعه الأصيلة وحوى شعره الحكم والامثال والتاريخ كما عبر عن خلجات نفسه بكل عذوبة ورصانة أدبية قل نظيرها...


۱_ ديوان ابي فراس الحمداني شرح عبدالقادر محمد مايو ص۲٤٤
٢_ نهج البلاغة: ۳۷، رقم الخطبة: ۱۱.

بلاغة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!