كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

أصداء بلاغة الإمام علي (ع) في شعر أبي فراس الحمداني – (2) طرائف الحكم وأثرها

 

يُعدّ الإنتاجُ الأدبيُّ الإبداعيُّ للشاعرِ الفارسِ الأميرِ أبي فراس الحمداني كنزًا للإنسانية، وإثراءً قيّمًا للمكتبة العربية وللثقافة الإسلامية.

ونحن اليوم في المقالة الثانية من سلسلة "أصداء بلاغة الإمام علي (ع) في شعر أبي فراس الحمداني"، إذ نسلّط الضوء على بعض أبيات الحمداني التي نستشف منها تأثره بسيد البلغاء وأمير الفصاحة والبيان الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

جاء في نهج البلاغة من حكم الإمام علي (ع): "إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكم".

يؤكد أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه الحكمة أن القلوب بطبعها تمل كما تمل الأبدان. فهي تتعب وتتقاعس عند تعرضها للضغوط الشديدة، ومن ثمّ تحتاج إلى ما يروّح عنها ويكشف ما أصابها من كدر. ويتم ذلك من خلال الحِكَم التي لا ترهق التفكير، بل تجدد فاعلية النفس وتمنحها الاستقرار.
وهذه الحكم ينبغي أن تكون من طرائف الحكم اي مما تتلذذ النفس بالاستماع اليها وتتعجب من شدة حسنها من غير تكلف يرهق الفكر.

ننتقل إلى ديوان أبي فراس الحمداني، إذ نراه يتفاعل بوضوح مع هذه الحكم العلوية، فيصوغها في صيغة شعرية جميلة، حيث يقول:

أُرَوِّحُ القلبَ ببعضِ الهزل
تجاهلًا مني بغيرِ جهل

أمزحُ فيه مزحَ أهلِ الفضل
والمزحُ أحيانًا جلاء العقل

يبيّن الحمداني أنه يلجأ إلى المزاح لترويح قلبه من مشاق الحياة، إلا أن هذا المزاح ليس مزاح العامة التي قد يشوبها القائم السخرية والانتقاص من الآخرين، بل هو مزاح أهل الفضل والحكمة، الخالي من الكدر، والذي يقتصر على الحكم اللطيفة التي تجلو عن العقل غبار المصاعب، وتمنح النفس حيوية وتجديدًا.

ومن خلال مقارنة النصين، نلحظ أن الإمام علي (عليه السلام) قد ألهم شاعرنا الحمداني في بناء رؤيته الشعرية للحكمة، حتى بدا تأثره بالأسلوب الحكمي واضحًا حين صاغ تلك المعاني بشاعريته.

والحق أن أبا فراس الحمداني من شعراء الحكمة المعدودين، إذ جعل من الحكمة ميدانه ومضماره فامتلأ ديوانه بروائع تُعدّ من عيون الشعر العربي وقد تجلّى فيه أثر البلاغة العلوية حين استلهم معانيها وصاغها في قالب يجمع بين الفروسية والبيان فكان أديبًا ألمعيًا وفارسًا يجسّد أسمى معاني الفتوة العربية.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!