كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الترشيحاتُ الوزارية: حينَ يغيبُ المعنى

   يقالُ في المثلِ الشعبيِ العراقي: (لوْ خليت لقلبت ) ، تدلُ على أنَ الدين، وما فيها لولا وجودُ الناسِ المؤمنينَ والأخيار، لما كانَ هناكَ معروفا بينَ الناسِ أبدا، بحيثُ لا يبقى إلا السوء والبغض، وإذا ما أسقطنا هذا المثلَ على الواقعِ السياسيِ العراقي، نجدُ أنَ المشهدَ السياسيَ ما زالَ يعكسُ أزمةَ أعمقَ منْ مجردِ خلافاتٍ سياسيةٍ عابرة؛ إلى أزمةِ ثقةٍ حقيقيةٍ ومتجذرةٍ بينَ المواطنِ والطبقةِ الحاكمة.
      ففي كلِ دورةٍ انتخابيةٍ تتكررُ الوعودُ والشعاراتُ ذاتها، ثمَ يفاجأُ المواطنونَ بإعادةِ تدويرِ الوجوهِ نفسها التي أخفقتْ في إدارةِ الدولة، أوْ ارتبطتْ أسماؤها بالفسادِ وضعف الأداء، وكأنَ الوطنَ ومدننا العزيزةَ عاجزة عنْ إنجابِ بدائلَ أكثرَ كفاءة وخبرة ونزاهة، أوْ كأنَ الشعبَ محكومٌ بالبقاءِ تحتَ سلطةِ الشخصياتِ المدورةِ ذاتها مهما أثبتتْ التجاربُ فشلها، وعدم قدرتها على بناءِ دولةٍ تلبينَ طموحاتِ الناس.
       إنَ المثلَ المذكور، يحملُ معنى بالغَ الأهمية، فالعراقُ لمْ يكنْ يوما فقيرا بالعقولِ والخبرات، بلْ يزخرُ بالكفاءاتِ العلميةِ والأكاديميةِ والمهنيةِ داخلَ البلادِ وخارجها، القادرة على بناءِ دولةٍ قويةٍ وإدارةِ مؤسساتها بكفاءة، لكنَ المشكلةَ الحقيقيةَ في آليةِ الاختيار، التي ما تزالُ خاضعةً للمحاصصةِ الحزبية، والعلاقاتِ الضيقة، والمصالحِ الشخصية، بعيدا عنْ معيارِ الكفاءةِ والخبرةِ ومصلحةِ الوطن.
     إنَ أخطرَ ما يواجهُ العراق اليوم، هوَ إصرارُ بعضِ القوى السياسيةِ على فرضِ شخصياتٍ مرفوضةٍ شعبيا تحتَ ذريعةٍ (الاستحقاق الانتخابيّ ) ، متجاهلة حجم الغضبِ الشعبيِ وفقدان الثقةِ بالمشهدِ السياسيِ بأكمله. فالدولةُ لا يمكنُ أنْ تنهضَ ما دامتْ المناصبُ تمنحُ وفقَ الولاءاتِ لا القدرات، وما دامَ الإصلاحُ يختزلُ بتغييرِ الوجوهِ شكليا معَ بقاءِ النهجِ ذاته.
      إنَ عراقَ اليوم، بحاجةٍ حقيقيةٍ إلى مشروعٍ وطنيٍ يعيدُ الاعتبارَ للكفاءةِ والنزاهةِ للشخصيةِ العراقية، ويمنحُ الفرصة للطاقاتِ الجديدةِ منْ الشبابِ المتنوع، ذكورا وإناثا، بعيدا عنْ الاحتكارِ السياسي، فالأوطانُ لا تبنى بالأسماءِ المتكررة، التي أزعجنا بها باعةَ الدوارةِ للبعضِ منْ الفاشلينَ معَ احترامنا للكفاءةِ المحترمة، في صباحِ كلِ يومٍ بالقول: (العمدة عتيق للبيعِ ) ، بلْ بالإرادةِ الصادقةِ والعقولِ القادرةِ على التغيير، ولوْ خلتْ البلادُ فعلاً منْ الكفاءاتِ لانقلبتْ الأحوال، لكنَ الأملَ ما يزالُ موجودا ما دامَ في العراقِ منْ يؤمنُ بالإصلاح، ويعملُ منْ أجلِ مستقبلٍ أفضل.
        يعد أداءَ اليمينِ الدستوريةِ منْ قبلِ أعضاءِ البرلمانِ في الجلسةِ الأولى، ليسَ مجرد إجراءٍ شكلي، بلْ هوَ تعاقدٌ قانونيٌ وأخلاقيٌ عميق، بلْ بوصفهِ " عقدا " وميثاقا غليظا، ولهُ دلالات قرآنية واضحة تستندُ إلى مبادئِ الأمانة، المسؤولية، والوفاءُ بالعههي عهد بينَ النائب، وبينَ اللهِ أولا، ثمَ بينهُ وبينَ الشعب. القرآنُ الكريمُ يشددُ على الوفاءِ بهذهِ المواثيق، قالَ تعالى: (وأوفوا بعهدِ اللهِ إذا عاهدتمْ ولا تنقضوا الأيمانَ بعدَ توكيدها وقدْ جعلتمْ الله عليكمْ كفيلا؟ إنَ اللهَ يعلمُ ما تفعلون) النحل: 91.
      فالقرآنُ الكريم، الذي وضعتْ عليهِ الأيدي عندَ القسمِ هوَ كلامُ اللهِ العظيم، الذي وصفَ أثرهُ بقولهِ تعالى: (لوْ أنزلنا هذا القرآنَ على جبلٍ لرأيتهُ خاشعا متصدعا منْ خشيةِ الله) الحشر: 21. فإذا كانتْ الجبال، على صلابتها وعظمتها، تخشعُ وتتصدعُ هيبةٌ لكلامِ الله، فكيفَ بمنْ يقسمُ بهذا الكتابِ العظيم، ثمَ يفرطُ بالأمانة، أوْ يجعلُ المنصب وسيلة للمصالحِ الشخصيةِ والمكاسبِ الضيقة، متناسيا آلام الناسِ ومعاناتهمْ اليومية؟ فالقسمَ بالقرآنِ الكريم، ليسَ كلماتٍ تتلى أمامَ الكاميرات، بلْ عهد يحملُ صاحبه مسؤوليةْ العدل، وصون الحقوق، وخدمةْ الوطنِ بإخلاص، ونزاهة، لأنَ خيانةَ القسمِ ليستْ خيانةً للشعبِ وحده، بلْ خيانةٍ للقيمِ التي أقسمَ عليها أمامَ الله. ولعلَ أخطرَ ما تواجههُ الشعوبُ ليسَ فقطْ فشلَ بعضُ المسؤولين، بلْ استمرارُ إعادةِ إنتاجِ الفشلِ ذاتهِ عبرَ تدويرِ الشخصياتِ التي أثبتتْ عجزها، أوْ ارتبطتْ أسماؤها بالفسادِ وسوء الإدارة، وكأنَ أصواتَ الناخبينَ أصبحتْ صكَ براءةٍ دائما مهما كانتْ النتائجُ كارثيةً على الوطنِ والمواطن، فالمعيارُ الحقيقيُ لأيِ مسؤولٍ لا يقاسُ بعددِ المقاعدِ التي يحصلُ عليها، بلْ بما يقدمهُ منْ خدمةٍ حقيقيةٍ للناس، وقدرتهِ على حمايةِ المالِ العام، وبناءِ مؤسساتِ دولةٍ قويةٍ تقومُ على العدالةِ والكفاءةِ والنزاهة.
         إنَ تشكيلَ أيِ حكومةٍ جديدة، يجبُ أنْ يكونَ بداية لتحولٍ وطنيٍ حقيقي، لا مجردَ تبديلِ أسماءٍ ومواقعَ ضمنَ ذات المعادلاتِ السياسية، فالعراقُ اليومَ بحاجةٍ إلى كابينةٍ وزاريةٍ تضمُ الكفاءاتِ العراقيةَ النزيهةَ منْ أصحابِ الخبرةِ والشهاداتِ الرصينةِ وإجادةِ اللغاتِ الأجنبية، وممنْ يمتلكونَ رؤيةً علميةً وإداريةً قادرةً على النهوضِ بالدولة، ليكونوا صورةً مشرفةً للعراقِ في المحافلِ الدوليةِ والمؤتمراتِ العالمية،          فالأوطانُ لا تبنى بالشعاراتِ والخطابات، بلْ بالعقولِ الواعيةِ والإدارةِ الناجحةِ والتخطيطِ السليم. لقدْ أثبتتْ تجاربُ الأممِ أنَ تقدمَ الدول، يبدأُ عندما يوضعُ الشخص المناسب في المكانِ المناسب، بعيدا عنْ المحاصصةِ والمجاملاتِ والانتماءاتِ الضيقة. فلا يمكنُ لبلدٍ بحجمِ العراقِ وإمكاناتهِ البشريةِ والاقتصاديةِ أنْ يدارَ بعقليةِ تقاسمِ النفوذِ والمصالح، لأنَ الوزارةَ مسؤوليةٌ وطنيةٌ وأمانةٌ كبرى، وليستْ مكافأة انتخابية أوْ امتيازا حزبيا.
       لقد قدمَ تاريخنا الإسلاميَ أروعَ النماذجِ في اختيارِ القادةِ والولاةِ على أساسِ القوةِ والأمانةِ والعدل، فقدْ أشارَ القرآنُ الكريمُ إلى هذا المبدأِ العظيمِ في قولهِ تعالى: (إنَ خيرَ منِ استأجرتَ القويُ الأمين) القصص: 26، لأنَ الحكمَ تكليفٌ ومسؤوليةٌ قبلَ أنْ يكونَ سلطة ومكانة. وعندما تغيبُ الكفاءةُ والنزاهة، وتتقدمُ المصالح الشخصية على مصلحةِ الوطن، تبدأُ الدولُ بالتراجعِ مهما امتلكتْ منْ ثرواتٍ وإمكانات.
    إنَ المواطنَ العراقيَ اليومَ ، لا يطلبُ المستحيل، بلْ يطالبُ بحكومةٍ تحترمُ عقلهُ وكرامته، وتمنحهُ أملاً حقيقيا بمستقبلٍ أفضل، منْ خلالِ وجوهٍ جديدةٍ تمتلكُ إرادةَ الإصلاحِ والعملِ الصادق، لا شخصياتٍ استهلكتها المناصب وأرهقتها الصفقات السياسية. فالعراقُ يستحقُ أنْ يدارَ بأيدي أبنائهِ المخلصين، القادرينَ على بناء دولةْ المؤسساتِ والعدالةِ والخدمةِ العامة. وحينَ تتوفرُ الإرادةُ الصادقةُ في اختيارِ الكفاءاتِ الوطنية، عندها فقطْ يمكنُ أنْ تبدأَ رحلةُ بناءِ الدولةِ الحقيقية، الدولةَ التي تصانُ فيها الحقوق، وتحفظَ فيها كرامةْ المواطن، ويكونُ القانونُ فيها فوقَ الجميع، بعيدا عنْ الفسادِ والمحاصصةِ والمصالحِ الضيقة.
      ونختمُ بقولٍ سبحانهُ وتعالى: (انْ اللهِ يامركمُ أنْ تؤدوا الامانات الىَ أهلها، واذا حكمتمْ بينَ الناسِ أنْ تحكموا بالعدل، إنَ اللهَ يعظكمْ بهِ إنَ اللهَ سميعا بصيرا) النساء: 58، فالأمانةُ ليستْ كلمة تقال، بلْ مسؤوليةْ تحفظ، ووطنٍ ينتظرُ منْ يصدقُ معهُ القول والعمل.

حكومة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!