كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

 من أدوات أهل البصيرة

رُوِيَ عَنِ الإمَامِ الصَّادِقِ (عليه السلام): «أَفْضَلُ العِبَادَةِ إِدْمَانُ التَّفَكُّرِ فِي اللهِ وَفِي قُدْرَتِهِ» (الكافي: ج٢/ص٥).

في الحديث كنوز وكنوز..

فلو تعرّفنا على معاني مفردات الحديث في كلمات بعض أهل اللغة لنرى استعمالاتها؛ قال صاحب لسان العرب: يُدْمِنُ كَذَا، أَي: يُديمه (لسان العرب: مادة (دمن)). ونُقل عن الجوهري (نقلًا عن لسان العرب: مادة (فكر)): التَّفَكُّر التأَمّل، وَالِاسْمُ الفِكْرُ والفِكْرَة، وَالمَصْدَرُ الفَكْر، بِالفَتْحِ. قَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ: لَيْسَ لِي فِي هَذَا الأَمرِ فكرٌ، أَي: لَيْسَ لِي فِيهِ حَاجَةٌ، قَالَ: وَالفَتْحُ فِيهِ أَفصح مِنَ الكسر. وقال الليث (نقلًا عن لسان العرب: حرف الفاء، ج١١): التفكر اسم التفكير.

فالحديث يريد الكثرة من التفكّر وإعمال الفكر للوصول إلى حقائق لم يرها المتفكّر من قبل في نفسه أو الكون، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ (الروم: 8).

وهذا يزيد يقينه وتدينه؛ فالشخص الذي يُعمِل فكره في قدرة الله تعالى، لا يمرّ بالمواقف مرورًا عابرًا، بل يستخرج منها (الحكمة) التي تُرمم فجوات هويّته وتجعله أكثر ثباتًا أمام المتغيّرات.

ويزيد التفكّر في خلق الله تعالى من تمسكه بالحكمة والعمل بها في الحياة، والحكمة مغنم جسيم، وقد ذُكِر أنّ فيها الخير الكثير كما في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: 269).

فالتفكّر في (قدرة الله) هي حين يرى المتفكّر يد الله في كلّ تدبير، فلا يجزع من فقدٍ ولا يطغى عند غنى، بل يسكن إلى (الحكمة) والتعقّل والتعرّف على عواقب الأمور والتدبّر بها.

فالتفكّر ضرورة مُلحّة وحاجة ضروريّة لا بدّ للإنسان من إدمانها؛ لفهم تكليفه ومعرفة ما له وعليه وما يؤول إليه، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (آل عمران: 191).

التفكّر يجعل الفرد يمشي بميزان العبوديّة والتواضع واليقين؛ فلا يُصاب الباحث بالغرور إذا أدرك أن القوّة التي عنده إنّما هي نعمة، ولا الغني بغناه لأنّه بالتفكّر يعرف الغنى الحقيقيّ، ولا القويّ بقوّته.. إنّما يعرف القهّار الحقيقيّ ويدرك ضعف نفسه.

البصيرة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!