تقف العقول حائرة أمام حقيقةٍ صادمة، تُعيد رسم علاقتنا بالوجود وبالخالق؛ حقيقة تضعنا تحت مجهر رقابة لا مثيل لها ولا شبيه، تختصرها الآية الكريمة: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (غافر: 19).
إنّ علمه سبحانه حضوريّ يسبق التصوّر، فليس هو استنتاجاً من مقدّمات، ولا تحليلاً لبيانات كما عهدنا في حياتنا، بل هو "علم حضوري" منزّه عن قيد الزمان والمكان، فهو الذي لا يغيب عنه شيء: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك: 13-14).
إنّه علمٌ يحيط بالمعلوم قبل كونه، وعند تكوّنه، وبعد ترجيحه لكفّة الوجود؛ وهو المرجّح له سبحانه من العدم إلى الوجود. وعلى ذلك فمن البديهيّ أنّه لا فرق بين عظيمٍ وصغير في العلم. وبينما يسعى الإنسان جاهداً لإخفاء أسراره عن أقرانه —وهو أمرٌ ممكن وواقع في عالم المادّة— فإنّه يقف عارياً بباطنه وسرّه أمام تلك الرقابة والإحاطة الإلهية التي لا تغيب عنها غائبة.
ولو أجلنا الفكر وأنعمنا النظر قليلاً لنتأمّل التعبير بـ "خائنة الأعين"؛ تلك التي تسبق الرصد في أجزاء ثانية وأقل بما لا نعيه ولا نفهمه. تأمّل في دقّة التعبير القرآنيّ، تلك النظرة التي تسرقها العين في جزء من الثانية، هي حركة بسيطة لا يلحظها الجالس بجانبك، ولا ترصدها الكاميرات البشريّة لأنّها "خلسة" عابرة. هي لحظة "خيانة" للأمانة الظاهرة، حيث يبدي المرء الانشغال بشيء، بينما يميل بؤبؤ العين بـ "خيانة" مستترة نحو ما لا يحلّ له.
وهذا الأمر يحيط به الله سبحانه، ويرصد ذبذبات الجفون قبل أن تستقر؛ يا الله كم هي شؤوننا مكشوفة!
والتعبير الآخر هو "ما تخفي الصدور"، وهو العلم بالمنبع الذي تنبع منه الأفعال والأقوال. فبينما يراقب البشر "السلوك" بوصفه نتيجة نهائيّة، يراقب ربُّنا سبحانه "النيّة" بوصفها الأصل. وكذلك الخواطر التي تمرّ بالذهن كالبرق، والهواجس التي تتردّد في أعماق النفس؛ كلّ هذه "المخفيّات" هي عند الله علانية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (ق: 16).
هنا يذوب الكبرياء البشريّ في بحر الحياء من "الرقيم" سبحانه، ولا نملك إلّا أن نقول: "واخجلتاه من ربنا العليم الخبير الحليم". فالرصد دقيق كما قال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق: 18)، وقال تعالى في مقام كشف السر والنجوى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} (الزخرف: 80). ولكن لهذه الرقابة ثمرة؛ وهي تزكية وأمان وقرب. فبينما تهدف الرقابة البشريّة غالباً إلى العقاب، تهدف الرقابة الإلهيّة إلى أمرين عظيمين:
تزكية النفس: حين يوقن العاقل أن "النيّة" مرصودة، يهرع لإصلاح داخله، وإن غلبته نزوة عاد سريعاً بالتوبة.
أمان القرب: حيث يتحوّل الخوف إلى سكينة؛ فالصادق يشعر بالراحة المطلقة لأنّ الله يعلم صدقه ونقاء طويّته.
إنّ هذا الرصد يورث أعظم أمان؛ أمان الرعاية، فمن يعلم أن كلّ نبضة قلب هي في عين العليم الخبير ينجح إن شاء الله. فلا بدّ من التوسّل به تعالى للنجاح في التدرّب على طرد الخاطرة السيّئة في لحظة ولادتها، وقبل أن تثبُت في الوجود وينطلق منها قولٌ أو فعل.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!