مفردة [ الشهيد ]
شهدت مفردة الشهيد في الثقافة العاشورائية تحوّلاً وتوسعاً دلالياً عميقاً ، إذ انعتقت من إطارها اللغوي والفقهي المحدود ، لتتسامى نحو أبعاد فكرية ، وإنسانية ، وجمالية غير مسبوقة ، حتى غدت الشهادة الحسينية المرتبة الأسمى للوعي والانتصار القيمي .
وإذا رمنا صياغة عنوان جديد للشهادة - التي بلغت تكاملها النوعي في كربلاء بما يلخص مضمونها ويجلو أسرارها - فلا أبلغ من وسمها بـ [ الشهادة الواعية ] . فقد شكلت البصيرة والتسليم ركيزتي هذا النموذج الفريد ، وعيٌ سابرٌ بأبعاد القضية ، وتسليمٌ مطلقٌ لمآلاتها .
هذا المزيج الاستثنائي هو ما اضطر العدو قبل الصديق للإقرار به ، إذ نادى عمرو بن الحجاج الزبيدي ( قائد ميسرة جيش عمر بن سعد لع ) في ساحة المعركة محذراً جنده إنكم تقاتلون فرسان المِصْر ، وأصحاب البصائر ، وقوماً مستميتين .
ويبرز أبو الفضل العباس ( عليه السلام ) رمزاً شامخاً في هذا المقام ، إذ يصفه الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) بقوله كان عمّنا العباس بن علي نافذ البصيرة ، صلب الإيمان ، جاهد مع أبي عبد الله وأبلى بلاءً حسناً ومضى شهيداً . كما نستقرئ هذا المعنى في زيارته أشهد أنك لم تهن ولم تنكل ، وأنك مضيت على بصيرة من أمرك ، مقتدياً بالصالحين ومتبعاً للنبيين .
ولم يكن هذا الوعي وليد الصدفة أو مجرد حماسة عابرة ، بل كان نتاج خلفية معرفية وروحية لرجالٍ صُنّفوا من علماء الأمة وعبّادها ، إذ يصور التاريخ جلال ليلتهم الأخيرة في عاشوراء بقوله وبات الحسين وأصحابه ليلة العاشر من المحرم ولهُمْ دويٌّ كدويِّ النحل ، ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد .
فقد كان برير بن خضير الهمداني سيد القرّاء في جامع الكوفة ، ومن أبرز التابعين والزهّاد . وعُرف حبيب بن مظاهر الأسدي بتهجده حتى قيل إنه كان يختم القرآن في ليلة واحدة . وكذلك مسلم بن عوسجة الأسدي ، فكان من حفظة القرآن والعارفين بحدوده . وأنس بن الحارث الكاهلي ، الصحابي الجليل الذي نال شرف رؤية النبي ( صلى الله عليه وآله ) وسماع حديثه والجهاد بين يديه .
مع مفردة أخرى إن شاء الله تعالى


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!