كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الإمام المجتبى بين محنة الصلح وحكمة الموقف

​لم يكن عصر إمامة السبط الأكبر الحسن بن علي (عليهما السلام) بداية الانقسام في الأمة، ولا كان  عهد أخيه الشهيد الإمام الحسين (عليه السلام) مبتدأ الخلاف؛ بل إن سيف التنازع استُلَّ من غماده غداة رحيل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، بيد أن موجة الاضطرابات الكبرى والمعارضات السياسية العنيفة اتسعت رقعتها بعيد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان؛ إذ شكّل هذا الحدث التاريخي تحديداً نقطة التحول الإستراتيجي نحو مأسسة الصراعات المسلحة والاقتتال الداخلي في مجتمع المدينة والكوفة [1].
 
​توالت الهزات العنيفة عبر حروب طاحنة خاضتها الخلافة الشرعية في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام)، مستنزفةً طاقات الحواضر الإسلامية في يوم «الجمل» و«صفين» ثم «النهروان» حتى تُوِّجت تلك المأساة بشهادته في محرابه. ومن الناحية السوسيولوجية والسياسية، فإن هذا التراكم من الحروب والصدامات العسكرية لا بد أن يورث الأمة ضرباً من الوهن، ومظاهر شتى من التصدع والتآكل المعنوي، فضلاً عن الشقاق وتعدد الولاءات القبلية والنفعية، مما أدى في نهاية المطاف إلى سيادة مناخ عارم من الاضطراب الشامل وفقدان الاستقرار [2].
 
 
​أولاً: صلح الحسن.. جَدلية الوعي العَقَدي والواقعية السياسية
 
​سجّل الصلح الحسني محنة فكرية واجتماعية بالغة التأثير والامتداد، إذ وقع المجتمع بين شِقَّي رَحَى بين حرص القاعدة المخلصة من الشيعة وتطلعها لتمكين الوارث الشرعي لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وإدراك الإمام الحسن العميق للواقع المعاش بجميع ملابساته المعقدة ومخلفات الماضي القريب.
 
​إن النواة الواعية من شيعة الإمام وبفعل الرواسب القبلية وضغط اللحظة السياسية الحرجة عجزت عن استيعاب البعد الإستراتيجي لقرارات المعصوم، والظروف القاهرة التي ألجأته لعقد الهدنة مع معاوية بن أبي سفيان، ومن هنا أحدث الصلح هزة عقائدية عنيفة في بعض جذور البنية الاجتماعية للكوفة، وتسبب في امتحان عسير لأعيان الشيعة ورجالاتها، عَبَّرَت عنه بلغة العتب القاسي والاعتراض المرير، مما ضاعف من حجم المأساة والأسى في قلب الإمام المجتبى.
 
​تشير المصادر التاريخية المعتبرة إلى أن هذه الصدمة أدت ببعض المحبين إلى فقدان توازنهم النفسي، فاندفعوا نحو الإمام بعبارات جارحة وقاسية، بل إن الخوارج الكامنين في المعسكر تجرؤوا في الاعتداء على شخص الإمام، فطعن أحدهم ألا وهو الجراح بن سنان الأسدي الإمام الحسن في فخذه بمعسكر المظلم سابّاً إياه بقوله: «الله أكبر، أشركتَ يا حسن كما أشرك أبوك من قبل!» [3]، فيما تمنى آخرون الموت عاجلاً على أن يشهدوا تلك اللحظة التاريخية المفصلية.
 
​دخل حجر بن عدي الكندي على الإمام الحسن (عليه السلام) مستنكراً فقال: «أما والله لقد وددتُ أنك متَّ في ذلك ومتنا معك ثم لم نرَ هذا اليوم، فإنّا رجعنا راغمين بما كرهنا، ورجعوا مسرورين بما أحبوا» [4].
 
​وفي ذات السياق الأليم، يخاطبه سفيان ابن أبي ليلى بعبارة تعكس فداحة الذهول ومرارة الحسرة؛ قائلاً له : ​«السلام عليك يا مذل المؤمنين، فلقد جئت بأمر عظيم، هَلا قاتلتَ حتى تموت ونموت معك!» فكان جواب الإمام كاشفاً عن جسامة الخطب، مستشفاً بذلك آفاق المستقبل ومدركاً لأبعاد مخطط الفتنة المحدق بهم، يجيبه الإمام بحلمٍ وخلق قرآني كريم، قائلاً له: «يا هذا! إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يخرج من الدنيا حتى رُفع له ملك بني أمية، فنظر إليهم يصعدون منبره واحداً بعد واحد، فشق ذلك عليه، فأنزل الله تعالى في ذلك قرآناً فقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}؛ يقول: إن ليلة القدر خير من ألف شهر من سلطان بني أمية» [5].
 
 
​ثانياً: الدسائس وتفكك الجبهة الداخلية
 
​لم يتوقف الأمر عند حدود العتب والاعتراض اللفظي، بل تجاوز ذلك إلى محاولات الغدر الصريح والتكسب السياسي من قِبل بعض القوى الانتهازية داخل المعسكر الكوفي؛ حيث رصدت التواريخ عروضاً لتسليم الإمام أسيراً إلى معاوية لقاء حفنة من المال والمكاسب الزائلة.
 
​وفي هذا السياق المتأزم، تنقل المرويات التاريخية موقفاً للمختار بن أبي عبيد الثقفي في فترة شبابه والذي تغيّر موقفه بعد ذلك حينما لمس حكمته العظيمة- ذات مرة وفي أوج تلك المحنة المريرة قال لعمه سعد بن مسعود الثقفي والي المداين من قِبل الإمام: «هل لك في الشرف والغنى؟» قال: وما ذاك؟ قال: «تستوثق من الحسن بن علي وتستأمن به إلى معاوية» وفي رواية تقيده وترسله؛ فجاءه الرد الحازم والتقريع الصارم من عمه تقبيحاً وتبرؤاً من هذا الفعل، قال له: «لعنة الله عليك! أثب على ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأوثقه؟ بئس الرجل أنت!.. قبحكم الله وقبح ما جئت به، أأغدر بابن بنت رسول الله؟» [6].
 
​وحين بلغ نبأ الصلح قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري قائد طليعة جيش الإمام وقف في أصحابه خطيباً ليضعهم أمام خيارات المرحلة الصعبة قائلاً: «اختاروا الآن واحدة من اثنتين: قتالاً مع غير إمام، أو بيعة لضلال!» فكان جواب الجُند كاشفاً عن الوهن العام: «بل البيعة أيسر علينا من سفك الدماء» [7].
 
​ثالثاً: المظلومية الممتدة وحرب الاغتيال المعنوي
 
​إن القراءة الواعية والمحايدة لهذه السلسلة من الأحداث تقود الباحث بصورة موضوعية إلى أن قرار الصلح كان خياراً عقلائياً وحكيماً فرضته طبيعة الموقف والمحيط، وتتجلى صحة هذه الرؤية عند استقراء الطريقة التناقضية التي تعامل بها المجتمع مع نظرة الإمام المستشرفة؛ وهذا ما جرى أيضاً مع تحذيرات عبد الله بن عباس ومحمد بن الحنفية وغيرهم مع الإمام الحسين (عليه السلام) حينما أراد الشخوص إلى الكوفة، مذكرين إياه بحجم النفاق والخيانات والآهات التي تجرعها أبوه علي وأخوه الحسن (عليهما السلام) من تلك الجبهة المتهالكة [8] بيدَ أنّ حركة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت محكومةً بمدارِ تكليفٍ إلهيّ صارم، ورسالةٍ تاريخيةٍ استثنائيةٍ تعلو فوق المقاييس المادية العابرة.
 
​لقد تكررت مظلومية الإمام الحسن (عليه السلام) تاريخياً؛ إذ لم تكتفِ الآلة الإعلامية الأموية بإقصائه سياسياً وتصفيته جسدياً بالسم، بل شنت ضده حرباً شعواء للاغتيال المعنوي وتشويه سيرته عبر وضع مرويات مكذوبة تصفه بأنه كان "مِزواجاً مِطلاقاً"، مستهدفةً تصويره كشخصية مستغرقة في الشأن الخاص بمعزل عن هموم الأمة، بل وصاغوا روايات تزعم عتب أبيه علي (عليه السلام) عليه وتوجيهه الناس ألا يزوجوه [9].
 
​وللأسف، فإن هذه الروايات المصنوعة في أقبية السياسة الأموية تسللت عبر مر السنين، وبفعل قلة الضبط العَقَدي والتحقيقي لدى بعض الرواة إلى بعض الأصول الحديثية والتاريخية المعتبرة «كالكافي» 
و «المحاسن» [10]، مما تطلب جهداً نقدياً حديثياً كبيراً من علماء الطائفة لاحقاً لتنقيتها وبيان تهافتها سنداً ومتناً، لقد سعى الخصوم لتمييع كل فضيلة للحسن (عليه السلام)، حتى لم يتركوا في وعي العوام سوى كونه سبطاً للنبي وابناً لفاطمة مجرداً من فضائله وأدواره التغييرية الفريدة.
 
وفي الختام:
 
​إن هذه المظلومية الحسنية الطويلة لم تذهب سدى في المنظور الشرعي والتاريخي، بل كانت هي المقدمة الموضوعية والجسر الوجداني الذي وصلت إليه نهضة الإمام الحسين بكل ما فيها من مآسي ومآلاتٍ مهمة مصيرية، فالصلح هو الذي كشف زيف الوعود الأموية، وأحدث الانقلاب التاريخي في وجدان الأمة، وهيأ الأرضية النفسية للثورة الحسينية الخالدة التي انطلقت من مضامين مشروعة: «‏ألا وإنّ الدّعيّ بن الدعيّ قد ركز بين اثنتَين؛ بين السِّلة والذلّة وهيهات منّا الذلّةُ، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجورٌ طابت وطهُرت واُنوفٌ حميَّةٌ ونفوسٌ أبيَّةٌ من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام» فكان كما أخبر الإمام العظيم المجتبى قبل عشر سنوات من وقوع فاجعة كربلاء «لا يوم كيومك يا أبا عبد الله»، وبهذا كانت الصرخة الحسينية امتداداً وحصاداً للحكمة والتحمل المأساوي الذي قاده الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).
 
​الهوامش والمصادر
 
​[1] يُنظر: ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، تحقيق: الشيري، دار الأضواء، بيروت، ج 1، ص 45-52؛ ومحمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، دار التراث، بيروت، الطبعة الثانية، ج 4، ص 410 وما بعدها (في أحداث مقتل عثمان وآثاره).
 
[2] يُنظر في تحليل آثار حربي الجمل وصفين على المجتمع الكوفي: المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، المكتبة العصرية، بيروت، ج 2، ص 360-380.
 
[3] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، ج 3، ص 405.
 
[4] الشريف المرتضى، تنزيه الأنبياء، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الثانية، ص 223.
 
[5] ابن أعثم الكوفي، كتاب الفتوح، تحقيق: علي شيري، دار الأضواء، بيروت، ج 4، ص 292.
 
[6] محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك (تاريخ الطبري)، دار التراث، بيروت، ج 5، ص 161؛ وأبو الفداء ابن كثير، البداية والنهاية، دار إحياء التراث العربي، ج 8، ص 16.
 
[7] المصادر المذكورة آنفاً: تاريخ الطبري، ج 5، ص 163؛ والبداية والنهاية، ج 8، ص 17.
 
[8] يُنظر في نصيحة ابن عباس للحسين (ع): الدينوري، الأخبار الطوال، تحقيق: عبد المنعم عامر، دار إحياء الكتب العربية، ص 243.
 
[9] للاطلاع على تزييف المرويات الأموية ومناقشتها علمياً، يُنظر: باقر شريف القرشي، حياة الإمام الحسن بن علي: دراسة وتحليل، دار البلاغة، بيروت، ج 2، ص 285-295.
 
[10] يُنظر في نماذج هذه الروايات التي خضعت للتضعيف والنقد السندي عند المحققين: الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ج 6، ص 56 (كتاب الطلاق)؛ وأحمد بن محمد بن خالد البرقي، المحاسن، دار الكتب الإسلامية، قم، ج 2، ص 436.

الامام_الحسن.png

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!