كثيرٌ من الأمور التي قد لا نؤمن بها أو لا نلتفت إلى حجم تأثيرها تتحول مع مرور الوقت إلى ظواهر اجتماعية تستحق التوقف عندها. كنت أعلم أن بعض الأمهات يفسرن ما يواجهنه من مشكلات بالسحر أو الحسد، لكنني لم أكن أتوقع أن هذا التفكير حاضر أيضاً في أذهان فتياتٍ ما زلن في عمر الانفتاح على الحياة وبناء الطموح.
وأنا أحاول قراءة ذهنية الطالبات واكتشاف المساحة النفسية التي تستند إليها ثقتهن بأنفسهن، فوجئت بانتشار الحديث عن السحر والمشعوذات والكشّافات بين عدد من الفتيات. ففي إحدى المرات سألت طالبةً عن سبب تراجع مستواها الدراسي، فكان جوابها: "إحدى قريباتي عملت لي عملاً". عندها انتبهت إلى هذه الظاهرة، لكنني تعاملت معها في البداية على أنها حالة فردية. ومع المتابعة والاحتكاك اليومي بالطالبات اكتشفت أنها ليست حالة معزولة، بل ظاهرة آخذة بالاتساع بشكل يدعو إلى القلق.
إن ربط الفشل الدراسي أو التراجع العلمي بالسحر والحسد غالباً ما يتحول إلى وسيلة للهروب من مواجهة الأسباب الحقيقية للمشكلة، كما أنه يمنح بعض الأسر مبررات جاهزة تعفي الطالبة من تحمّل مسؤولية التقصير أو ضعف المتابعة والاجتهاد.
ومن باب الاستطلاع سألت عن اسم امرأة معروفة بفك السحر، فإذا بالطالبات يعددن أمامي قائمة طويلة من الأسماء، وكأن الأمر معرفة متداولة بينهن. عندها أدركت حجم تغلغل هذه الثقافة في أوساط بعض الفتيات.
إنني أرى، كمعلمة، ضرورة تكثيف اللقاءات والمحاضرات والاجتماعات مع أولياء الأمور، ولا سيما الأمهات، للتنبيه إلى خطورة ترسيخ هذه الأفكار في نفوس بناتهن. فهن قد يدركن أن السحر محرم، لكنهن لا يلتفتن إلى أن الانشغال المفرط بقضايا السحر والحسد والعين، والإلحاح في الحديث عنها، قد يزرع في نفوس الفتيات الوسواس والخوف والقلق، ويفتح الباب أمام الكثير من المشكلات النفسية.
لذلك فإن استمرار التواصل مع الأمهات وتوعيتهن يمثل خطوة مهمة في حماية الطالبات من هذه الأفكار، وتعزيز ثقافة المسؤولية والثقة بالنفس ومواجهة المشكلات بأسبابها الواقعية بعيداً عن الأوهام والتفسيرات غير المنطقية.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!