ليست كل المعارك تقاس بعدد من يسقط فيها بل بقيمة الهدف الذي تصيبه فالنجاح الحقيقي لا يكون في ملاحقة النتائج وإنما في الوصول إلى الأسباب التي صنعتها .
منظومة الفساد في العراق ليست أفرادا متفرقين بل هي شبكة مترابطة تشبه شجرة ضخمة امتدت جذورها في أعماق مؤسسات الدولة حتى أصبحت تمتص ثروات الوطن وتتغذى على معاناة أبنائه ولكل غصن فيها جذر يغذيه ولكل فاسد صغير جهة أكبر تحميه وتموله وتمنحه القدرة على الاستمرار .
ومن هنا فإن ما يجري اليوم لا ينبغي أن يقرأ على أنه مجرد حملة لملاحقة بعض الأسماء بل هو مسار يستهدف أصل المشكلة فعندما تبدأ المحاسبة من الرؤوس التي كانت تدير وتحمي شبكات الفساد فإنها لا تستهدف أشخاصا بعينهم بقدر ما تستهدف مراكز النفوذ التي أبقت هذه المنظومة حية طوال السنوات الماضية .
وهذه هي آلية قطع الجذور فالغاية ليست الإكثار من الاعتقالات ولا ملاحقة الحلقات الضعيفة وإنما الوصول إلى المنبع الذي يغذي الجميع فعندما يجف هذا المنبع تفقد الشبكات غطاءها وتتلاشى وسائل حمايتها وينكشف أفرادها الواحد تلو الآخر وتصبح محاسبتهم أكثر يسرا لأن القوة التي كانت تجمعهم قد انهارت .
أما الاقتصار على ملاحقة الوجوه الصغيرة فهو لا يختلف كثيرا عن تقليم أغصان شجرة خبيثة قد تبدو أقل كثافة لبعض الوقت لكنها سرعان ما تستعيد نموها لأن جذورها ما زالت راسخة في الأرض تمدها بالحياة وتمنحها القدرة على إنتاج أغصان جديدة بأسماء مختلفة ووجوه جديدة .
وفي المقابل لا بد أن تكون الأيام ثقيلة على أولئك الذين اعتادوا الاختباء خلف النفوذ والحصانات فقد أصبحوا يراقبون الأخبار بقلق ويحسبون كل خطوة ويترقبون كل اسم يعلن وكل ملف يفتح وكل باب يطرق وربما أدركوا متأخرين أن الجدار الذي احتموا به سنوات طويلة لم يعد بالصلابة التي ظنوها وأن الشجرة التي منحتهم الظل بدأت تفقد جذورها أما أكثر ما يثير السخرية فهو أنهم يرون ما يحدث ولا يملكون إلا الانتظار لأن من اعتاد الاحتماء بالجذور لا يستطيع أن يعيد غرسها بعدما اقتلعت وتلك هي النهاية التي يصنعها الفساد لنفسه حين يصدق أن نفوذه أبدي .
لذلك أرى أن التسمية التي تعبر بدقة عن هذه المرحلة ليست صولة الفجر بل قطع الجذور لأن الأوطان لا تتعافى بإزالة الأوراق الذابلة وإنما باقتلاع ما كان يفسد تربتها من الأساس فإذا سقط الجذر سقطت معه الشجرة كلها ولم يبق للفساد سوى حكاية تروى عن زمن مضى .
✦ كتابات في الميزان ✦
يرى المقال أن مواجهة الفساد لا تتحقق بملاحقة المتورطين الصغار، بل بالوصول إلى الجهات التي صنعت منظومته وحمتها على مدى سنوات. ويؤكد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ باقتلاع جذور الفساد ومراكز النفوذ التي تغذيه، لأن إزالة النتائج وحدها لا تمنع عودة المشكلة. ويخلص الكاتب إلى أن تعافي الدولة مرهون بتفكيك البنية التي أنتجت الفساد، لا بالاكتفاء بمعالجة مظاهره.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!