كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الصلاح والإصلاح التربوي في رسالة الحقوق للإمام السجاد عليه السلام -حق الصلاة-

 إنَّ من أهم التراث العظيم للإمام السجاد 'عليه السلام" هي رسالته المشهورة (رسالة الحقوق)، والتي تضمنت حقوقًا متعددة على العبد المؤمن، ومن أهم تلك الحقوق المتعلقة بالأفعال هو (حق الصلاة)، هذه الفريضة المباركة التي تمثل عمود الدين كما في الروايات.
ونحاول بيان دورها في الصلاح والإصلاح بما ورد في هذه الرسالة.
قال "عليه السلام": 
((وحَقُّ الصَّلَاةِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا وِفَادَةٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَأَنْتَ فِيهَا قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ قُمْتَ مَقَامَ الْعَبْدِ الذَّلِيلِ .... وَتُقْبِلَ عَلَيْهَا بِقَلْبِكَ، وَتُقِيمَهَا بِحُدُودِهَا وَحُقُوقِهَا)).
    إنَّ في بيان هذا موضوعات مهمة يمكن بيانها بإيجاز : 
١-  إنَّ الابتداء ببيان حق الصلاة في أول حقوق الأفعال فيه دلالة على ضرورة الالتزام بالعبادات في هذا البناء التربوي، وخصوصًا ما يتعلق بأهم فريضة وهي الصلاة.

٢-  بيان ذلك الشرف العظيم الصلاة حيث أنَّ العبد المصلي هو وافد على مولاه بأعظم عمل يريده المولى منه، بل هو عمود الدين وهي الصلاة.

٣-  فيه تأكيد موافق لتعاليم الثقلين في بيان عظمة الصلاة ومقامها وآثارها في البناء، فضلًا عن أداء التكليف وثوابه.

٤-  التأكيد على مسائل ثلاث يجب على المسلم مراعاتها عند وقوفه بين يدي الله تعالى في جميع فرائضة ليرتقي بصلاته، وهي:
أ- القيام في الصلاة. 
وقد ذكر الإمام السجاد عليه السلام صورًا عشر لهذا التكامل للقيام بين يدي المولى وهي:
١- العبد الذليل. 
٢- الحقير.
٣- الراغب. 
٤- الراهب. 
٥- الراجي. 
٦- الخائف. 
٧- المستكين. 
٨- المتضرع. 
٩- المعظم بالسكون. 
١٠- المعظم بالوقار. 

ب- الإقبال في الصلاة. 
ولأجل تحقيق الإقبال في الصلاة يمكن ذلك من خلال أمرين:
١- التركيز في الأقوال عند مخاطبة الله تعالى والتأمل في حقيقتها.
 فمثلًا: 
(إياك نعبد وإياك نستعين) ما هي حقيقة عبوديتي لله تعالى، وهل فعلًا أنا خاضع للمعبود .. إلخ
(اهدنا الصراط المستقيم) ما هذه الدعوة العظيمة التي أريد الوصول إليها، وكيف يمكن تحقيقها .. إلخ
(صراط الذين أنعمت عليهم) من هؤلاء الذين أنعم الله تعالى عليهم؟ وما هي تلك النعمة العظيمة التي أرجوها من الله تعالى .. إلخ
٢- التفكر في عظمة المخاطَب، وهو (رب العالمين) (الرحمن الرحيم) (مالك يوم الدين) وهذه الخصوصيات العظيمة التي توجب الخضوع والخشوع له.

ت- إقامة الصلاة بحدودها. 
وهي إقامة الصلاة بحدودها الشرعية وحقيقتها التي أرادها الله عز وجل والارتقاء بها من خلال معرفة أحكامها، وأدائها كما ورد فيها من أحكام شرعية، فمثلًا: 
(الركوع) أداؤه بالحد الشرعي حيث الهيئة الشرعية له بالانحناء، واداء الذكر كاملًا أثناء الانحناء بطمئنينة، وليس أداء جزء منه عند الهوي إلى الركوع أو القيام من الركوع.
(القراءة) أنْ اكون قراءة صحيحة بألفاظها العربية من حيث المخارج الصحيحة، والحركات الإعرابية، وعد الخطأ في قراءتها بالتعلُّم والتدريب.
(القيام) وما يتعلق به .. وهكذا في الأركان والواجبات الأخرى.

 *مقام الصلاة في القرآن الكريم والسنة الشريفة . 
ولتتمة ما تقدم فقد أكدت كثير من الآيات المباركة على ذلك المقام العظيم للصلاة، وأثرها في بناء الإنسان والمجتمع (الصالح والمصلح).
 فمثلًا: 
-قال تعالى في بيان كمال صفات المؤمنين: ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)).  [المؤمنون: ١-٢] 
-قال تعالى في بيان حقيقتها وغايتها: ((إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)). [العنكبوت: ٤٥]
-قال تعالى في بيان شرفها ومنزلتها الرفيعة عند الأنبياء ومنهم إبراهيم "عليه السلام": ((رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ)). [إبراهيم: ٤٠]
-قال تعالى في بيان استقامة الشخصية المسلمة: ((إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ)).  [المعارج: ١٩-٢٣]
-قال تعالى في بيان انحراف الأمة عند ضياعها للصلاة حيث ابتعادها عن الصلاح وسيرة الصالحين: ((أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ .... فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)) [مريم: ٥٨-٥٩]
وأما الروايات الواردة في بيان ذلك فهي كثيرة ومنها:
-روي عن النبي "صلى الله عليه وآله وسلم": ((أوَّلُ ما يُنْظَرُ في عملِ العبدِ في يومِ القيامةِ في صلاتهِ، فإنْ قُبِلَتْ نُظِرَ في غيرِها، وإنْ لم تُقْبَلْ لم ينظر في عملهِ بشيءٍ).
 -روي عن النبي "صلى الله عليه وآله وسلم": ((مَنْ لم تنهَهُ صلاتُهُ عن الفحشاءِ والمنكر لم يزدَدْ من الله إلا بُعْدًا)).

 ختامًا  .. 
 علينا الارتقاء بالصلاة مع الله عز وجل؛ لنكون أهلًا لتلك الوفادة الإلهية التي أشار إليها الإمام السجاد "عليه السلام" في رسالته الحقوقية المباركة، وبما يؤدي إلى بناء تلك الشخصية الإيمانية الصالحة المصلحة للفرد والمجتمع.

✦ كتابات في الميزان ✦

يتناول المقال مكانة الصلاة في رسالة الحقوق للإمام السجاد (عليه السلام)، مبينًا أنها ليست مجرد فريضة تؤدى، بل لقاء روحي مع الله تعالى يسهم في تهذيب النفس وبناء الشخصية المؤمنة. ويركز على أهمية الخشوع، والإقبال بالقلب، والالتزام بأحكام الصلاة وحدودها، بوصفها أساسًا للإصلاح الفردي والاجتماعي. كما يستعرض الآيات والروايات التي تؤكد أن الصلاة الصحيحة تنعكس سلوكًا واستقامةً، فتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتغرس في الإنسان قيم الطاعة والتقوى.

رسالة الحقوق.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!