هناك مدن تشتكي من قلة الموارد، وهناك مدن تعاني من قسوة الطبيعة، أما البصرة فقصتها مختلفة تماما. فهي ليست مدينة فقيرة، وليست ضحية الجغرافيا، وإنما ضحية سياسات امتدت لأكثر من عقدين، تعاملت مع أمنها المائي بمنطق الترقيع لا بمنطق الدولة.
منذ عام 2003، تعاقبت الحكومات، وتغيرت الوجوه والشعارات، وامتلأت الخزينة بعائدات النفط، لكن شيئاً واحداً لم يتغير: كل صيف يعود البصريون إلى السؤال نفسه... هل سيصل الماء إلى بيوتنا؟ وهل سيكون صالحا للشرب؟
ليس لأن العراق عاجز عن توفير الماء، وإنما لأن من تولى إدارة هذا الملف لم يتعامل معه بوصفه قضية سيادية تمس حياة ملايين المواطنين، بل بوصفه أزمة موسمية يمكن احتواؤها ببضعة اجتماعات، ووعود، ولجان، وتصريحات سرعان ما تتبخر مع انتهاء الصيف.
ورغم أن البصرة تمثل الرئة الاقتصادية للعراق، فإن أمنها المائي ظل رهينة منظومة لم تعد قادرة على مواكبة التحولات التي شهدتها المحافظة. فقد استمرت الحكومات في الاعتماد على قناة البدعة وناظم قلعة صالح بوصفهما العمود الفقري لإمدادات المياه، من دون أن تسأل نفسها سؤالاً بسيطاً: هل تكفي مشاريع أنشئت قبل عقود لتلبية احتياجات محافظة تضاعف عدد سكانها مرات عدة، واتسعت مدنها، وازدادت احتياجاتها الصناعية والزراعية والخدمية؟
ويمثل ناظم قلعة صالح نقطة التحكم الرئيسة بإطلاق الحصة المائية المقررة للبصرة من نهر دجلة. لكن هذه الحصة لا تصل كاملة في كثير من الأحيان، بعدما تحولت أجزاء منها إلى ضحية للتجاوزات على مجرى النهر، ولا سيما بحيرات تربية الأسماك في محافظة ميسان، فضلاً عن استهلاك كميات كبيرة من المياه في مشاريع حقن الآبار النفطية، وهي مشاريع تخدم الاقتصاد الوطني، لكنها تستنزف مورداً مائياً تحتاج إليه البصرة لحماية شط العرب من التدهور.
ثم جاءت الضربة الأخرى مع توقف تدفق مياه نهر الكارون إلى شط العرب، بعد أن قطعتها إيران، فانخفضت كميات المياه العذبة، ووجد المد الملحي القادم من الخليج العربي طريقه ليتوغل شمالاً كلما تراجعت الإطلاقات المائية، لتتحول أزمة المياه من مشكلة خدمية إلى تهديد مباشر لصحة السكان والبيئة والاقتصاد.
ورغم أن هذه الوقائع معروفة منذ سنوات، فإن الحكومات المتعاقبة لم تتبنى سياسة مائية متكاملة للبصرة. لم تنشئ منظومة متعددة المصادر، ولم تجعل تحلية مياه البحر خياراً استراتيجياً، ولم توفر خزانات مائية كافية لمواجهة مواسم الشح، ولم تحسم ملف التجاوزات على الحصص المائية بحزم، وكأن المدينة مطالبة بأن تتكيف مع الأزمة بدلاً من أن تتولى الدولة إنهاءها.
والأدهى من ذلك أن الحكومة الاتحادية اعتادت، عند كل أزمة، توجيه الأنظار نحو الحكومة المحلية في البصرة، وتحميلها مسؤولية توفير الماء الصالح للاستهلاك البشري، مع أن الأدوات الحقيقية لحل الأزمة ليست بيدها. فالحكومة المحلية لا تدير الإطلاقات المائية من دجلة، ولا تملك صلاحية إزالة التجاوزات خارج حدود المحافظة، ولا تدير ملف التفاوض مع دول الجوار، ولا ترسم السياسة المائية للعراق، ولا تقر المشاريع الاستراتيجية الكبرى. ومع ذلك، كانت تجد نفسها في واجهة الغضب الشعبي، بينما بقيت الجهة التي تمتلك القرار الفعلي بعيدة عن المساءلة.
لقد تحولت الحكومات المحلية إلى متلقية للأزمة، لا صانعة لها، وإلى جهة مطالبة بالإجابة عن أسئلة لا تملك مفاتيحها. أما الحكومة الاتحادية، التي تمتلك القرار والموارد والصلاحيات، فقد اكتفت في الغالب بإدارة الأزمة بدلاً من حلها، وكأن رمي المسؤولية على السلطات المحلية يكفي لإعفاء الدولة من واجباتها.
المفارقة أن العراق نجح في بناء منظومة معقدة تضمن استمرار تصدير ملايين البراميل من النفط يوميا إلى الأسواق العالمية، لكنه أخفق في بناء منظومة تضمن وصول الماء النظيف إلى المدينة التي ينتج منها ذلك النفط. لقد كان النفط أولوية مطلقة، أما الإنسان فبقي في آخر قائمة الأولويات.
ليست المشكلة في شح الموارد، ولا في نقص الأموال. فمنذ عام 2003 دخلت إلى العراق مئات المليارات من الدولارات، وكان بالإمكان أن تتحول البصرة إلى نموذج في إدارة المياه، لا إلى مثال يتكرر كل صيف على الفشل الإداري والتخطيط المرتجل. لكن ذلك لم يحدث، لأن العقل الذي أدار هذا الملف انشغل بإطفاء الحرائق، ولم يفكر يوماً في منع اندلاعها.
إن الأمن المائي ليس خدمة بلدية، ولا ملفاً موسمياً، ولا مسؤولية محافظة بمفردها، بل هو أحد أهم ملفات الأمن الوطني. والدولة التي تعجز عن تأمين الماء لمواطنيها، مهما امتلكت من ثروات، تبقى دولة أخفقت في أداء واحدة من أبسط وظائفها.
وبقيت البصرة، بعد أكثر من عشرين عاماً على سقوط نظام صدام حسين، تقدم للعراق معظم ثروته، بينما تنتظر من العراق أن يقدم لها أبسط حقوقها.
إن السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى كل الحكومات التي تعاقبت على إدارة البلاد ليس: لماذا عطشت البصرة؟
بل: كيف قبلتم أن تبقى أغنى مدينة في العراق تبحث، كل صيف، عن كوب ماء صالح للحياة؟
:" كتابات في الميزان :"
يتناول المقال أزمة المياه في البصرة بوصفها نتيجة لتراكمات إدارية وسياسات مائية غير مستدامة، رغم المكانة الاقتصادية التي تحتلها المحافظة باعتبارها المصدر الرئيس للثروة النفطية في العراق. ويرى الكاتب أن تعاقب الحكومات لم ينجح في بناء استراتيجية متكاملة للأمن المائي، ما جعل البصرة تواجه أزمة متكررة كل صيف، ويخلص إلى أن ضمان المياه النظيفة يمثل مسؤولية وطنية ترتبط بالأمن القومي وحق المواطنين في الحياة الكريمة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!