كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

إلى السيد ترامب: التهورُ السياسيُ لا يصنعُ قادة

   لمْ تعدْ السياسة الحقيقية استعراضا للقوة، ولا تقاسُ عظمةُ الدولِ بعددِ القنابلِ التي تلقى، أوْ حجم الأسلحةِ التي تمتلكها، بلْ بقدرتها على حمايةِ الإنسانِ وصونِ كرامته، وعندما تتحولُ القوةُ إلى وسيلةٍ لفرضِ الإرادةِ وإشعالِ الأزمات، فإنَ التاريخَ يسجلُ ذلك، ولا تنساهُ الشعوب.
     شهدَ الشرقُ الأوسط، خلالَ السنواتِ الماضيةِ حروبا ونزاعات خلفتْ ضحايا مدنيينَ ودمارا واسعا في غزةَ ولبنان، إضافةً إلى تصاعدِ التوتراتِ العسكريةِ التي طالتْ إيران، وبينما تتغيرُ الإداراتُ والسياسات، يبقى المدنيونَ همْ منْ يدفعونَ الثمنَ الأكبر؛ أطفال فقدوا أسرهم، ونساء شردنَ منْ بيوتهن، ومدن تحمل آثارِ الدمار، وأجيال تعيشُ نتائجَ الصراعاتِ لسنواتٍ طويلة.
     إنَ منْ المؤلمِ أنْ تتحولَ منطقتنا، إلى ساحةٍ للصراعاتِ الدوليةِ وتصفيةِ الحسابات، حيثُ تأتي القوى الكبرى منْ مختلفِ أنحاءِ العالمِ لتفرضَ نفوذها، بينما يتحملُ سكانَ المنطقةِ تبعات القراراتِ السياسيةِ والعسكرية.
    أثارتْ سياساتُ الرئيسِ الأمريكيِ دونالد ترامبْ في الشرقِ الأوسطِ جدلاً واسعا، بسببِ مواقفَ اعتبرها منتقديهِ قائمة على التصعيدِ ومنطقِ القوةِ أكثر منْ الحلولِ الدبلوماسية، ومنْ أبرزِ الانتقاداتِ التي وجهتْ إلى أسلوبِ ترامبْ السياسيِ كثرةْ التحولاتِ في المواقفِ والقرارات؛ إذْ يرى منتقدوهُ أنَ تصريحاتهِ تتغيرُ بسرعة، وأنَ بعضَ القراراتِ التي يعلنها سرعانَ ما يعقبها تعديلٌ أوْ تراجعٌ أوْ تغييرٌ في الاتجاه.
      ففي نظرِ هؤلاء، فإنَ قيادةَ دولةٍ كبرى تحتاجُ إلى قدرٍ عالٍ منْ الثباتِ والوضوحِ والاستقرارِ في الرؤية، لأنَ قراراتِ القادةِ الكبارِ لا تؤثرُ على الداخلِ فقط، بلْ تمتدُ آثارها إلى العالمِ بأسره، فالسياسيُ الذي يقودُ قوة عالمية لا يقاسُ فقطْ بقدرتهِ على فرضِ القرار، بلْ بقدرتهِ على بناءِ الثقة، وقراءةِ نتائجِ أفعاله، وتحمل مسؤوليةِ كلماته.
      إنَ الترددَ والتقلبَ المستمرَ في المواقفِ، قدْ يثيرانِ القلقَ لدى الحلفاءِ والخصوم، لأنَ السياسةَ الدوليةَ تحتاجُ إلى وضوحٍ واستراتيجيةٍ طويلةِ المدى، وإنَ دماءَ الأبرياءِ، ليستْ أرقاما في نشراتِ الأخبار، فخلفَ كلِ ضحيةِ قصةِ إنسانٍ وحياةٍ وأحلام. ومنْ واجبِ العالمِ أنْ يتذكرَ معاناةَ الشعوبِ التي عانتْ منْ الحروب، وأنْ يعملَ منْ أجلِ حمايةِ المدنيينَ وإيقافِ دوامةِ العنف. 
    لقدْ ذكرنا القرآنَ الكريمَ بأنَ الظلمَ مهما طال، فلهُ نهاية، قالَ تعالى: (ولا تحسبنَ الله غافلاً عما يعملُ الظالمون، إنما يؤخرهمْ ليومٍ تشخصُ فيهِ الأبصار) (إبراهيم: 42) فلا قوةً تدوم، ولا جبروت يبقى، ولا يستطيعُ الإنسانُ أنْ يهربَ منْ عدالةِ الله.
    قدْ يملكُ الظالم أدوات القوةِ لفترة، لكنَ السننَ الإلهيةَ والتاريخيةَ تؤكدُ أنَ الظلمَ لا يكونُ طريقا إلى النصرِ الدائم. وفي ختامِ هذهِ الكلمات، يبقى الإيمانُ والصبرُ سلاح المظلومين، قالَ اللهُ تعالى: (واصبروا إنَ اللهَ معَ الصابرين) (الأنفال: 46) فالصبرُ ليسَ استسلاما، بلْ ثبات أمامَ المحن، وثقة بأنَ اللهَ يرى ويسمع، وأنَ الحقَ مهمٌ تأخر، فإنَ لهُ يوما يظهرُ فيهِ حسبنا الله ونعمَ الوكيل، والله، فوقَ الجميع.

:" كتابات في الميزان :" 
يتناول المقال رؤية نقدية لسياسات دونالد ترامب في الشرق الأوسط، ويركز على آثار التصعيد العسكري وتقلب المواقف السياسية في تعميق الأزمات الإنسانية والإقليمية. ويؤكد الكاتب أن القيادة الرشيدة تُقاس بالحكمة والالتزام بالحلول الدبلوماسية وحماية المدنيين، لا بإظهار القوة العسكرية، مستندًا إلى قيم العدالة ورفض الظلم كما وردت في النصوص القرآنية.

ترامب_المسيحية.webp

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!