في زمن تتسارع فيه الأخبار، وتتزاحم فيه منصات التواصل، لم تعد محاكمات الرأي العام تنتظر اكتمال الوقائع، ولا نتائج التحقيقات، ولا حتى تحديد الجهة المختصة. يكفي أن تجمع أحداث متفرقة، وأن يعاد ترتيبها في سياق واحد، حتى تتشكل رواية تبدو مقنعة، ثم تتحول مع الوقت إلى حقيقة في أذهان كثيرين، رغم أنها بنيت على الانتقاء أكثر مما بنيت على الوقائع نفسها.
هذه الظاهرة ليست جديدة في الحياة السياسية العراقية، لكنها برزت مجدداً مع الحملة التي استهدفت محافظ البصرة أسعد العيداني على خلفية حادث احتجاز الصيادين العراقيين في الكويت، حيث لم يقتصر الجدل على الحادثة ذاتها، بل جرى استدعاء قضية تسليم الناشط الكويتي سلمان الخالدي، وربطها بالحادث الأخير، في محاولة لرسم صورة سياسية متكاملة، رغم أن القضيتين تختلفان من حيث طبيعة الوقائع، والاختصاصات، والجهات صاحبة القرار.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: هل يجمع بين القضيتين سوى اسم الشخص الذي يراد تحميله المسؤولية؟
فحادثة احتجاز الصيادين ليست من الملفات التي تدار على مستوى المحافظة، وإنما هي قضية سيادية تتولاها الحكومة الاتحادية عبر وزارة الخارجية والأجهزة الأمنية والجهات المختصة بإدارة العلاقات مع الدول الأخرى. ومن هذا المنطلق، فإن تصريح العيداني بأنه غير معني بالإدلاء بتفاصيل القضية، لأنها تقع خارج نطاق صلاحياته، لا يمكن اعتباره تخلياً عن المسؤولية، بل التزاماً بحدود الاختصاصات التي يفرضها القانون.
والمفارقة هنا تستحق التوقف. فلو تحدث المحافظ في قضية من اختصاص وزارة الخارجية، لقيل إنه تجاوز صلاحياته وتدخل في عمل الحكومة الاتحادية. وحين التزم حدود اختصاصه وامتنع عن الخوض في ملف لا يدخل ضمن مسؤولياته، تعرض للانتقاد لأنه لم يتحدث. وفي الحالتين، تبدو النتيجة واحدة، وهي الإبقاء على دائرة الاتهام مفتوحة، بغض النظر عن طبيعة الموقف الذي اتخذه.
أما قضية سلمان الخالدي، فقد أُعيد تقديمها للرأي العام بصورة اختزلت جانباً مهماَ من الوقائع. فالرواية المتداولة تبدأ من لحظة تسليمه إلى السلطات الكويتية، لكنها تتجاهل ما سبق تلك اللحظة من إجراءات قانونية وأمنية، كما تتجاهل السياق الذي أحاط بالقضية منذ بدايتها.
فالخالدي لم يُلقى القبض عليه بقرار شخصي من محافظ البصرة، وإنما أُلقي القبض عليه في مطار بغداد تنفيذاً لمذكرة قبض جرى تعميمها عبر آليات التعاون الأمني العربي، أعقب ذلك استكمال السلطات العراقية المختصة إجراءاتها القانونية، واتخاذ الحكومة الاتحادية قرارها بشأن تسليمه، ومن ثم تكليف محافظ البصرة بمهمة تسليمه إلى الجانب الكويتي بصفته ممثلاً عن الجانب العراقي. وبذلك، فإن القضية كانت، منذ بدايتها وحتى نهايتها، جزءاً من مسار قانوني وسيادي شاركت فيه مؤسسات الدولة، ولم تكن قراراً منفرداً اتخذه محافظ البصرة أسعد العيداني.
والأهم من ذلك أن الكثير ممن يعيدون تداول هذه القضية يغفلون ما سبق عملية إلقاء القبض. فقد نشر الخالدي، من داخل الأراضي العراقية، مقاطع فيديو تضمنت إساءات متكررة إلى دولة الكويت، وتهديدات باجتياحها، ودعوات إلى إسقاط نظام الحكم فيها. كما ظهر في تسجيلات مصورة بالقرب من منفذ سفوان الحدودي، في مشاهد حملت رسائل سياسية واضحة، كان من شأنها أن تلقي بظلالها على علاقات العراق مع دولة جارة.
ومع ذلك، جرى تجاهل هذا السياق بالكامل، وكأن القضية بدأت عند لحظة إلقاء القبض وانتهت عند لحظة التسليم. ولا يتعلق الأمر هنا بتبرير إجراء أو الدفاع عن شخص، وإنما بالتأكيد على أن أي قراءة منصفة تستوجب عرض الوقائع كاملة. فالانتقائية في عرض الأحداث لا تقل خطورة عن تشويهها، لأن حذف جزء من الحقيقة قد يقود إلى استنتاجات مضللة، حتى وإن كانت الوقائع المعروضة صحيحة في ذاتها.
ومن الطبيعي أن تحرص أي دولة على ألا تتحول أراضيها إلى منصة لإطلاق تهديدات أو خطابات عدائية ضد دولة أخرى، لما قد يترتب على ذلك من أضرار تمس علاقاتها الخارجية والتزاماتها الدولية. وهذه ليست خصوصية عراقية، بل قاعدة معمول بها في مختلف دول العالم حفاظا على مصالحها وسيادتها.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في اختلاف الآراء، وإنما في الطريقة التي يعاد بها ترتيب الوقائع لخدمة سردية سياسية جاهزة. فبدلاً من مساءلة كل مؤسسة عن مسؤولياتها الحقيقية، يجري اختزال الدولة في شخص واحد، ثم تحميله تبعات ملفات لا تدخل ضمن صلاحياته، بينما تغيب الجهات صاحبة الاختصاص عن دائرة المساءلة.
ولا يعني ذلك أن المسؤولين يجب أن يكونوا بمنأى عن النقد، فالنقد حق مشروع، بل هو أحد أسس الرقابة المجتمعية. لكن النقد يفقد قيمته عندما يقوم على الانتقاء، أو حين يخلط بين المسؤوليات، أو عندما تتحول الوقائع إلى أدوات لإثبات حكم سبق أن صدر في أذهان البعض.
إن بناء الرأي العام على سرديات منتقاة قد يحقق مكاسب سياسية آنية، لكنه لا يؤسس لوعي عام قادر على التمييز بين الحقيقة والانطباع. فالدولة لا تدار بالمزايدات، ولا تبنى على إعادة ترتيب الأحداث بما يخدم رواية مسبقة، وإنما باحترام الاختصاصات، وقراءة الوقائع في سياقها الكامل، وتحديد المسؤوليات وفقا للقانون.
إن أخطر ما يهدد العدالة ليس غياب الحقيقة، بل إعادة تشكيلها بما يخدم غاية سياسية. فحين تصبح الوقائع مادة للانتقاء، لا يعود الرأي العام يحاكم الأفعال، بل يحاكم الصورة التي رسمت له عنها. وعندها، لا يكون المتهم شخصا بعينه، بل تكون الحقيقة نفسها أول من يجلس في قفص الاتهام.
✦ كتابات في الميزان ✦
يناقش المقال ظاهرة "محاكمات الرأي العام" التي تتشكل عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل قبل اكتمال الحقائق، متخذًا من الجدل الذي رافق محافظ البصرة أسعد العيداني نموذجًا لبيان أثر الانتقائية في عرض الوقائع. ويؤكد الكاتب أن النقد يفقد قيمته عندما يتجاوز حدود الاختصاصات القانونية أو يستند إلى سرديات غير مكتملة، مشددًا على أن بناء وعي عام رصين يتطلب قراءة الأحداث في سياقها الكامل، واحترام القانون في تحديد المسؤوليات بعيدًا عن الأحكام المسبقة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!