كنت أتساءل دائما عن سر امتلاك أهل المعاصي والكفر والرذيلة أموال طائلة وبيوت مرفهة واتباع وانصار وأعوان. بينما الأنبياء والمخلصين وغيرهم ممن سار على درب الحقيقة بعضهم إما فقراء أو محرومين أو في أحسن حالاتهم يعيشون عيشة الكفاف.(1) ذهبت للتوراة والإنجيل فلم أجد شيئا يُذكر بل وجدت أن أنبياء التوراة والإنجيل يأمرون الناس بدفع الجزية للأباطرة والملوك والفراعنة الظالمين وعدم الخروج عليهم حتى لو اضطهدوهم. ثم قلّبت القرآن فوجدت الجواب في سورة الأنعام فيقول الرب عن هؤلاء المجرمين وسبب النعيم الذي هم فيه : (فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰابَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةًۭ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ).(2) يعني تصور فرعون الذي كان يجلس على عروش الذهب حتى وصل مرحلة الزعم بأنه إله، هذا الطاغية عندما ينتزعهُ الرب مما هو فيه من نعيم دنيا انظر لعذاب نفسه الذي وصل أوجّه من خلال قوله مجبرا مضطرا مهزوما خائفا : (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل).(3) والغريب أن هذا الطاغية لم يقل آمنت بالله. بل بالإله الذي آمنت به بنو إسرائيل. لم يستطع لسانه أن ينطق باسم الله مجردا. لأنهُ ترسخ في نفسه بأنهُ إله يجب أن يُعبد.
الكتاب المقدس أيضا يرسم نهاية هؤلاء الذين طغوا واستخدموا نعم الرب وخيراته في الباطل فيقول : (سيسقطون سقوطا مهينا، ويكونون عارا بين الأموات مدى الدهور. فإنه يحطمهم وهم مبلسون مطرقون، ويقتلعهم من الأسس، ويتم خرابهم؛ فيكونون في العذاب وذكرهم يهلك). يقول تفسير الكتاب المقدس عن معنى (مبلسون).(4)
: ( مبلسون: حزانى. مطرقون : مطأطئون الرؤوس، أي أن رؤوسهم ناظرة إلى أسفل في خزى. ولا ينظر هؤلاء الأشرار بعد حياتهم الفاسدة إلا سقوطًا في العذاب الأبدي، فيظهر خزيهم بين الأبرار، ولكن لا مكان بعد للندم، أو الإصلاح، وهكذا يكونون مبلسين، أي حزانى، يائسين، يطأطئون رؤوسهم في خزى (مطرقين)؛ لأن الموت قد اقتلعهم من شهواتهم، وأفكارهم الردية وأموالهم لم تنفعهم. وحتى ذكرهم عند الأحياء يكون عارًا، ويخزى الأشرار الذين يسلكون مثلهم، إذ يظهر فزعهم ساعة الموت، وعدم انتفاعهم من كل خطاياهم. يتقدمون من خوف إلى خوف إذ أن أموالهم تشهد عليهم، فهي حجة قوية ضدهم.
قصة قارون : (قورح بن يصهار). فيها من العبر الكثير ، فقد منّ الرب عليه بالأموال العظيمة، ولكنهُ طغى ونافس موسى وهارون على مقام النبوة (أخذ قورح، يُقاوم موسى وهارون. وقال لهما: كفاكما ما بالكم ترتفعون على الجماعة. غدا يُعلن الرب من هو له).(5) فقد اغتر قارون بكثرة أمواله وتصور أن الإله سوف يجعلهُ مكان موسى وهارون الفقراء. فلما فرغ من التكلم، انشقت الأرض وابتلعته مع أمواله وبيته وكل ما كان لقورح وانطبقت عليه الأرض).(6) وهذا ما شهد به القرآن حيث قال : (فخسفنا به وبداره الأرض فما كان لهُ فئة ينصرونه من دون الله).(7) فقد تصور قارون بأنهُ بالمال يستطيع شراء المناصب ويسود على الناس، ولمّا ذكّرهُ موسى بأن أمواله نعمة من الله طغى وتجبّر وأبى الاعتراف وقال : (إنما أوتيتهُ على علمٍ عندي).( 8 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- طبعا لكي لا يُقال أن الله يتعمد اذلال أنبياءه ، فقد أعطى سُليمان من الأموال والجاه والسمعة ما لم يصل إليه غيره. ومن عوام الناس أعطى الرب قارون من الأموال ما لم يسبقه إليه أحد.
2- مبلسون : شدة اليأس والتحيّر فيسكتون لانقطاع حجتهم : ( {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ} وكذلك : {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ}.
3- سورة يونس : 90.
4- تفسير الكتاب المقدس - الموسوعة الكنسية لتفسير العهد القديم: حكمة سليمان 4 - تفسير سفر الحكمة.
5- سفر العدد 16: 1 – 32.
6- سفر العدد 16: 1 – 32.
7- سورة القصص آية : 81.
8- سورة القصص آية : 78.
✦ كتابات في الميزان ✦
يتناول المقال تساؤلًا عقديًا حول العلاقة بين النعيم الدنيوي والاستقامة، مستندًا إلى نصوص من القرآن الكريم والكتاب المقدس لتقديم رؤية ترى أن وفرة المال أو النفوذ ليست بالضرورة دليلًا على رضا الله، بل قد تكون ابتلاءً أو استدراجًا قبل الحساب. وتستعرض الكاتبة قصص فرعون وقارون بوصفها نماذج لطغيان الإنسان عندما يغتر بالقوة والثروة، مؤكدًا أن النهاية الحتمية هي العدل الإلهي، وأن المال لا يغني عن صاحبه إذا اقترن بالظلم والتكبر. ويخلص المقال إلى أن معيار التفاضل الحقيقي ليس الغنى أو السلطة، وإنما الإيمان والعمل الصالح وحسن العاقبة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!