﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ سورة المؤمنون: 14.
ْ ومن أراد أن يفهم هذا النظام، فلا يبدأ من ظواهر العالم، بل من مصدره، ومن الحقيقة التي انبثق منها ترتيب الوجود. ومن هنا جاءت كلمات أهل البيت عليهم السلام كاشفةً عن البنية الأولى لهذا الوجود، لا بوصفها تأملًا فلسفيًا، بل بيانًا لحقيقة الخلق.
ومن مشكاةِ الهداية صدع أَمْنُنا وأمانُنا، وسِلْمُنا وسلامُنا، قائمُ آلِ محمدٍ، مهديُّ الأمم، روحي له الفداء في الحياة والممات والرجعة، ما بقي لي عهدٌ، وما بقي فيَّ نَفَسٌ، وتسليمي لمقامه الشريف لا يزول ولا يتبدل، صلواتُ الله عليه، بقوله:«نحن صنائعُ ربِّنا، والخلقُ بعدُ صنائعُنا»
ومن روائع ما صدع به إمامُنا الهادي صلواتُ الله عليه في الزيارة الجامعة الكبيرة، التي تُعدُّ دستورًا في معرفة مقام آل محمد عليهم السلام، قوله: «خَلَقَكُمُ اللَّهُ أَنْوَارًا، فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحْدِقِينَ، حَتَّى مَنَّ عَلَيْنَا بِكُمْ، فَجَعَلكُمْ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ».
فإذا كانت بداية الخلق نورًا، وكان الوجود قائمًا على نظامٍ إلهيٍّ محكم، فلا يبقى في هذا العالم شيءٌ يُفهم على أنه مصادفة. إن ما يبدو متناثرًا في أعين الناس، هو في الحقيقة أجزاءُ بناءٍ واحد، لكل جزءٍ منه موضعٌ وحكمةٌ وغاية.
كل ما تراه حولك ليس عشوائيًا كما يبدو، بل هو جزء من بناء محكم له منطق داخلي دقيق، حتى وإن لم يظهر لك ذلك على السطح. وجودك نفسه ليس تفصيلًا عابرًا، بل إدراج واعٍ داخل منظومة أوسع، تعمل وفق قوانين لا تُدرك إلا لمن بدأ يلاحظ ويتأمل. قد يبدو يومك عاديًا، تخرج وتعود، تتعلم وتُختبر، تنجح أحيانًا و تسقط أحيانًا، لكن هذا التكرار ليس فراغًا، بل نمط، والنمط أول دليل على وجود نظام.
ْفي هذا النظام، وُضعت في "قسم الأرض" بين مخلوقات أخرى، لكل منها مسارها، لكن ليس لكل منها نفس مستوى الوعي. ولم تُترك وحدك، بل أُدرجت في بيئة مليئة بالإشارات: أحداث تتكرر، مواقف تعود بأشكال مختلفة، واختيارات تُعرض عليك باستمرار. كل ذلك ليس عبثًا، بل أجزاء من منهج دقيق، لا يُفهم إلا لمن قرر أن يغوص في معرفة الحقائق الاولى ، الحقيقة المحمدية التي صدرت منها الاسماء الحسنى ، ومن الاسماء الحسنى صدر كل شئ. أمّا هُم صلوات الله عليهم ، فهم مظاهر تلك الحقيقة ، هم أسماءُ تلك الحقيقة ، تلك الحقيقة تجلَّت لنا في هذا العالم المحدود الضيِّق في الأئمة المعصومين الأربعة عشر .
فلا أحد ينجح في اختبار دون أن يفهم منهجه، ولا أحد ينجو وهو يتعلّم من مصادر مشوشة تصنع وهم الفهم بدل الحقيقة. والخطر الحقيقي ليس في الجهل، بل في الاعتقاد بأنك تفهم بينما أنت تسير في مسار خاطئ. لأن هذا النوع من الوهم لا يدفعك للبحث، بل يجعلك تستمر بثقة في اتجاه لا يقودك إلى نتيجة صحيحة.
ثم تأتي الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها: أن هذا الاختبار له وقت محدد، يمضي بصمت، وينتهي فجأة دون إنذار. لا توجد فرصة ثانية، ولا إعادة للمحاولة. لحظة واحدة فقط، تتحول فيها كل اختياراتك إلى نتيجة نهائية، دون تبرير أو تأجيل.
عندها يتضح المعنى الكامل: الدنيا ليست حياة مكتملة ، بل قاعة اختبار، والآخرة ليست فكرة قابلة للنقاش، بل النتيجة الحتمية لهذا المسار. وبين الاثنين، تُمنح فرصة واحدة للعمل بوعي حاضر وإرادة حرة. أن ترى الحقيقة كما هي، دون تزييف أو تبرير، وأن تواجه أخطاءك ونقاط ضعفك بهدوء وصدق، لأن ما لا تراه بوضوح، لا يمكنك تغييره.
وحين تبدأ برؤية الأشياء على حقيقتها، لا كما اعتدت أن تراها، يتغير إدراكك، ويتبعه تغيّر في قراراتك. عندها يقل تأثير القطيع عليك، فلا تعود تختار لأن الجميع اختار، ولا تتحرك لأن الطريق مزدحم، بل لأنك فهمت. تبدأ بملاحظة تلك المساحة الدقيقة بين الحدث وردة فعلك، وتدرك أنها ليست فراغًا، بل نقطة تحكم حقيقية، وفيها تتجلى حريتك.
لم تعد ترى ما يحدث كعشوائية، بل كإشارات تتكرر حتى تفهم، وحتى تصحح مسارك. وكلما تجاهلت الفهم، عادت الإشارة بشكل مختلف، أكثر وضوحًا أو أكثر ضغطًا، إلى أن تستيقظ. لكن الاستيقاظ هنا ليس مجرد شعور، بل عملية إعادة بناء داخلية: تفكيك أفكار قديمة، وإعادة تشكيل القناعات، وتحديث طريقة الرؤية.
تتحمل مسؤولية اختياراتك دون أن تلقيها على الظروف أو الآخرين، لأنك تدرك أن القوة الحقيقية لا تكمن في التحكم بما يحدث، بل في التحكم بكيفية استجابتك له. تبحث عن الحقيقة حتى لو كانت تبدو لك غير مريحة، وإذا اكتشفت أن طريقًا ما لم يعد يتوافق مع وعيك، تملك الشجاعة لتغييره.
وهنا تبدأ الرحلة الحقيقية. لأن الاستيقاظ ليس نهاية الطريق، بل بدايته. ومن هذه النقطة، لا يتوقف أثر وعيك عند حدود حياتك، بل يمتد كأثر خفي داخل هذا النظام الواسع، الذي لا يعمل بالصدفة، بل وفق هندسة معنى دقيقة، يتشكل فيها الإدراك من خلال وعيك.
✦ كتابات في الميزان ✦
يقدّم المقال رؤية إيمانية ترى أن الحياة ليست حدثًا عابرًا أو سلسلة مصادفات، بل نظام إلهي محكم يبدأ من حقيقة الخلق ويمتد إلى وظيفة الإنسان في الدنيا. ويربط الكاتب هذا النظام بمقام أهل البيت عليهم السلام بوصفهم مظاهر الهداية والكشف عن المعنى الأول للوجود. كما يؤكد أن الدنيا ميدان اختبار محدود، وأن وعي الإنسان واختياراته واستجاباته للأحداث هي التي ترسم مصيره. وينتهي المقال إلى أن الاستيقاظ الحقيقي يبدأ بفهم الذات، وتحمل المسؤولية، وتصحيح المسار بعيدًا عن التقليد والوهم.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!