يضعنا الحديث عن الامام الحسين (ع) بين ساحتين، ساحة الذكرى، وساحة الموقف، فأما بالذكرى فنستذكر الجسد الطاهر الذي لم يفارقه رسول الله (ص) شمّاً وتقبيلاً، ويقول (ص) بشأن ذلك: (حسينٌ مني وأنا من حسين. وأحب الله من أحب حسينا) ونستذكر هنا وديعة الرسول الأكرم وامانته في أمته التي يدعو لها بالرحمة والمغفرة من الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، فقد جاء الصحابة الى الرسول الاكرم وهو في المسجد ليقدموا له الاموال والحُلي والمجوهرات لقاء تضحياته التي قدمها في سبيل الاسلام فكانت آية المودة جوابه، وحجته عليهم وعلى كل المسلمين: (قل لا أسألكم عليه أجراً الا المودة في القُربى) قالوا: يارسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ أجابهم (ص): "علي وفاطمة وولداهما".
ان المودة تعني ان نحفظ الرسول وأهله في غيبته، ونودّهم ونوقرهم، وان نضمرَ لهم المحبة والتبجيل والتقدير، هذه هي المودة حسب اداركي.
دعونا هنا نستذكر الشَيب الخضيب، والخد التَريب، والبدن السليب، والثغر المقرُوع بالقضيب، والرأس المرفوع، وسنابك خيل الطغاة التي جالت على صدر الحسين (ع) والشفاه الذابلات والعيون الغائرات والمُرمل بالدماء، والمهتوُك الخِباء، وخامس اصحاب الكِساء، وغريب الغُرباء، وشهيدُ الشُهداء، وقتيل الادعِياء، وساكِن كربلاء، ومن بكته ملائكةُ السماء.
نستذكر الاجسام العارية في الفلوات، تنهشها الذئاب العادياتُ، وتختلفُ اليها السباعُ الضاريات، والجسوم الشاحِبات، والدِماء السائلات، والاعضاء المُقطعات، والرؤوس المُشالآت، نستذكر الصحابة المُنتجبين الذين كلما أرادوا شيئا من رسول الله (ص) إستحلفوه بالله، وبحب الحسين في قلبه ومنزلته العظمى عنده، وهو يقول لهم: (ان لقتل الحسين حرارةً في قلوب المؤمنين لا تبرد ابداً، لا يذكره مؤمن الا بكى) ويقول مقولته الشهيرة: (ان الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة).
نستذكر اليوم الوحوش الكاسرة التي إدّعت انحدارها من سلالة البشر وما اقدموا عليه من ممارسات وانتهاكات بحق اسرة الرسول الاعظم كانت وستبقى وصمة عار في جبين التاريخ البشري، اذ لم يراعوا حرمة لا لامرأةٍ ولا لشيخٍ ولا لعجوزٍ ولا حتى الطفل الرضيع، وما جريمة التمثيل بالجثث الكريمة الا ابسط مثال على ذلك، رغم نهي الرسول الأكرم (ص) عن ذلك بقوله:(إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور).
حين اكتب هذه السطور يجول في خاطري سؤال عن هؤلاء، واين هم من وصية نبي الامة لجنوده وسراياه عندما يتوجهون لساحات القتال؟ اين هم من ذلك النبي العظيم حين كان يقول لهم (سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملةِ رسول الله، لا تغلوا ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبياً ولا أمرأة، ولا تقطعوا شجراً الا ان تضطروا اليها، ولا تحرقوا النخل ولا تغرقوه بالماء ولا تحرقوا زرعاً لأنكم لا تدرون لعلكم تحتاجون اليه، ولا تعقروا من البهائم مما يؤكل لحمه الا ما لابد لكم من اكله).
ترى اين هي وصاياك من افعال هؤلاء؟ تركوا الوصايا ونسوا قيم العرب التي تفاخرت بها، ومنها إكرام الضيف والامانة، والوفاء بالعهد، والترفع عن مقاتلة القِلة، كل تلك الوصايا والقيم ضُربت عرض الحائط وحلّ بأهل بيتك ما حل من قتلٍ وتنكيلٍ، اين هم عندما حرقوا الخيام واقتادوا اشراف القوم اسارى؟ كنت تعفو- يارسول الله- عن المذنب والمقّصر والمسيء، وذاك ليس غريبا عنك، وعن سمو اصلك، فأنت القائل – حين دخلتَ مكة محرراً (يا معشر قريش ما ترون اني فاعلٌ بكم ؟ قالوا: خيراً، اخٌ كريم وابنُ اخ ٍكريم، فقال: إذهبوا فأنتم الطلقاء).
يقول الشاعر في ذلك:
ملكنا فكان العفو منا سجية فلما ملكتم سال بالدم ابطح
وحللتم قتل الاسارى وطالما غدونا عن الاسرى نعف ونصفح
فحسبكم هذا التفاوت الذي بيننا وكل اناء بالذي فيه ينضح
والان اصبح لزاماً علينا ان نرتوي من الذكرى العطرة وموقف التضحية والفداء والبطولة والإباء والعزة والشموخ، هذا الموقف الرافض من الامام الحسين (ع) بأن يكون الانسان عبداً ذليلاً خاضعاً وهو يردد: (والله لا أعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد) هذا الموقف الذي حرر الانسان من رق الانسان ومن الحقد والانانية التي تُصيّر منه وحشاً بلا قيمٍ وبلا ضمير ، نستذكر هذا الموقف الذي يحرر المرء من خوفه امام الطغاة ليكتب التاريخ موقفه حين ينادي: (اني لا ارى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما).
في هذا الموقف الاستثنائي يقدم الحسين (ع) روحه وأهله وأخوته واولاده وأنصاره طعاما للموت وهو يراهم مقطّعي الاوصال، ويجود بنفسهِ فقط لتحقيق مرضاة الله وتطبيقاً لقولته الشهيرة: (الموت اولى من ركوب العار، العار أولى من دخول النار)، وفي رفضه لمبايعة الطغاة والفاسدين يقول (ع): (مثلي لا يبايع مثله) ويقصد من يدّعي انهم حماة للدين الاسلامي وامناء على مقدرات الامة الاسلامية، وما هم الا ذئاب مفترسة تريد سرقة بنُى الانسان التحتية وهي صدقهُ واخلاصه وكرامته، والاستحواذ على بيت مال المسلمين وانفاق الاموال على شهواتهم الدنيئة، هذه المجموعة الفاسدة التي ارادت اعادة نظام العبودية وقف الامام الحسين (ع) لها بالمرصاد وكان الفيصل في فضح ممارستها وفضح من سموه (امير المؤمنين) الذي لم يكن سوى فاسق فاجر وشارب خمر ويأتي الفواحش دون خوفٍ او وجل من الله، فيقول الامام: (هيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون).
نستذكر الموقف الذي انطلقت منه اليد الحمراء المبتورة الاصبع الممتد من وراء ضريحه لتساعد الشعوب المضطهدة في ثورة عارمة لا ينطفئ نورها وتخلصهم من جثامين الانظمة التي لا تعرف سوى الازدراء والاحتقار، وتنظر بعين الانتقاص لشعوبها وتصنفهم عدة طبقات، وهو يضرب مثلا رائعا في الانسانية عندما يضع (جون) العبد المسيحي في حجره ويضمه الى صدره.
نستذكر الموقف الذي أنطلق منه كل الاحرار والثائرين في العالم الانساني، وكل المفكرين والمبدعين الذين يؤمنون بطريقة تفكيره وبفكره المُتجدد وبمنهجه الاصلاحي ضد الفساد، وبثباته حين يحتدم الوطيس، وليس القبول بالذلة والمهانة وبيع القيم والمبادئ لقاء مصالح دنيوية.
لقد بقي الحسين (ع) مناراً ونبراساً شامخاً يضيء الطريق في دياجير الظلام الدامس للاجيال القادمة ليتحول الى نهضة تستنهض في الانسان انسانيته وقيمه ودفاعه عن كرامته وحقوقه من الهدر والضياع.
ختاما، نستذكر في الحسين (ع) ان يكون الاخلاص للوطن ولقضيته والسير على نهج ابا الاحرار حتى نصدح بالقول بأننا سائرون على نهج الحسين، وهذه هي ثقافة عاشوراء، ملحمة الخلود التي هذبت وصقلت الانسان، واصبحت درعاً منيعاً ضد الكذب والغش والفساد وجُل الممارسات التي تحُقّر الانسان وتقلل من قيمته، فعاشوراء بهذا المعنى مصنع الرجال والمواقف السامية والعدالة الاجتماعية التي لا تفرّق بين شريف ومشروف وابيض واسود.
✦ كتابات في الميزان ✦
يميّز المقال بين استذكار فاجعة كربلاء بما تحمله من ألم ومظلومية، وبين استلهام موقف الإمام الحسين (عليه السلام) في رفض الذل والظلم والفساد. فالوفاء للحسين لا يكتمل بالحزن وحده، بل يتحول إلى التزام عملي بالكرامة والعدالة والإصلاح والدفاع عن حقوق الإنسان. ومن هنا تبقى عاشوراء مدرسةً لصناعة الوعي والمواقف الحرة، ومنهجاً أخلاقياً يتجدد في مواجهة الطغيان.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!