كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

العلم والجهل وبصيص الأمل 

 العِلم محيِي النفسِ، ومُنيرُ العَقلِ ، ومُميت الجهلِ
الإمام علي (ع)
   العلم نور والجهل ضلام، تلك العبارة الرائعة التي رافقتني منذ نعومة أظفاري حين وجدتها على مخطوطة على جدران قاعة الدرس في الصف الأول الابتدائي، وكانت ايضاً مكتوبة بالطبشور بخط واضح وكبيرعلى السبورة، وكان المعلم، الذي هو الأب الثاني لي ولكل الطلبة، يُجهد نفسه غير مبالٍ براحته ليوصل لنا هذا الشعار ويطبقه وكأنه يريد ان يقول لنا بطريقة تُناسب عقولنا ومستوى فهمنا وإدراكنا بأن لا طائل من الأموال والثروة والأرصدة والعقارات دون ان يمتلك المرء معرفة وعلماً، اذ سيعيش حينها حالة من الفراغ العلمي والضياع الفكري وسيكون من الضائعين في متاهات الجهل، والعلة في ذلك ان الجاهل يظن أن الأموال والمنصب والسطوة هي من تأتي في الصدارة ويليها بعد ذلك العلم والمعرفة، والواقع ان العلم هو المنعطف الذي ينقل الإنسان من الجهل والظلام الى عالم النور والهداية فبه سيبصر طريق الصواب ويشخص الخلل ويُدرك بواطن الأمور وجزئياتها، فالقراءة والمعرفة تفتح أمام المرء آفاقاً واسعة لعالم مليء بالإسرار والتناقضات، حتى ان الله تبارك وتعالى قال في محكم كتابه: (أقرأ بأسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. أقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الانسان ما لم يعلم)، وهذا دليل واضح ان الباري عزوجل أكد على مسألة مهمة تبني الفكر الانساني وتطور مدركاته العقلية وهي العلم، كما بيّن سبحانه وتعالى منزلة العلم وعلويته بقوله (وفوق كل ذي علم عليم).
ولابد لنا في معرض الحديث عن العلم ان نشير الى درجاته ومراتبه، ويجسد ذلك قول رسول الرحمة محمد (ص): (اطلب العلم من المهد إلى اللحد) وقول صوت العدالة الانسانية الامام علي (ع): (ليس يتيم الذي قد مات والده...ان اليتيم يتيم العلم والأدب) وقوله لكميل بن زياد: (العلم خير لك من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه...).
تقاس الأمم بعلمائها ومبدعيها ومفكريها ونتاجاتها الفكرية والمادية التي تخدم بها البشرية، صحيح ان الأموال تخدم العمل وتحقق الهدف لكنها ليست اهم ركيزة في بناء منظومة الدولة، فهي الوسيلة التي من خلالها تموّل المشاريع والاستثمارات، لكن العقل المدبر والعلم الذي يمتلكه الإنسان في التخطيط والتدبير وصناعة الخطط والبرامج ورسم السياسات وإيجاد البدائل والحلول للازمات هو ما ينجز المشاريع ويبني النهضة، ولعل ملحمة بدر الكبرى تشير لذلك بوضوح عند تتبع آلية التعامل مع اسرى المشركين حين ابلغ الرسول الكريم (ص) ان لكل مشرك يستطيع القراءة والكتابة ان يعلم عشرة من المسلمين لقاء حصوله على حريته، ان هذه الوسيلة للتحرير والتعليم ليست الا دليلاً رائعا وبرهاناً ساطعا لدور العلم في الاسلام واهميته في صناعة وتقويم الإنسان، فالصراع بين العلم والجهل هو صراع يمتد الى وجود الانسان على الأرض ويزداد وضوحاً عندما تؤول الأمور للطغاة المستبدين في السيطرة على مقاليد الحكم، اذ لا يكتفون باضطهاد شعوبهم وترويعهم والمساس بكرامتهم ومصادرة حرياتهم، بل يعمدون لفرض ثقافة تسودها قيم الجاهلية وينشرون الأمية ويدخلون مجتمعاتهم في حروب وانكسارات سياسية لأطالة فترة الجهل لشعوبهم، وبالتالي تعيش الشعوب في وادٍ وهم في وادٍ اخر.
يحتاج كل من العلم والمعرفة الى الهدوء والاستقرار السياسي والاقتصادي، فكل منهما يكمل الاخر، فالفوضى والدمار لا يخلفان سوى مجتمع متخلف تغلب عليه الخرافة وتحركه الافكار البالية التي تزيد منها جهلاً، ولذلك نجد ان الدول العظمى تولي عناية فائقة للعلم والعلماء وتخصص موازنات ضخمة لمراكز البحوث العلمية، فضلاً عن الدعم المعنوي وتخصيص الجوائز للمتفوقين في هذا المجال ومواكبة التطور العلمي، والاهم من هذا كله أنها تحترم العلماء وتوفر لهم سبل النهوض بمشاريعهم العلمية والمعرفية ،في حين لا تزال هناك بعض الدول تنظرالى العلم من منظار اخر، وزاوية اخرى بعيدة عن التطلع لمستقبل افضل ينقل المجتمع من حالة البؤس لحالة الرخاء، انما تنظرالى العسكرة والى رجل البوليس والامن بأنه الراعي الرسمي والمهيمن وله الكأس المُعلى في بناء الدولة، كل ذلك من اجل خلق دكتاتوريات ورقية سرعان ما تتهاوى امام ارادة الشعوب .

✦ كتابات في الميزان ✦

يضع المقال العلم في مواجهة الجهل بوصفهما طريقين متناقضين في بناء الإنسان والمجتمع؛ فالعلم يحرّر العقل ويصنع النهضة، بينما يقود الجهل إلى الضياع والخضوع للاستبداد. ويؤكد الكاتب أن الأموال والإمكانات لا تبني الدول من دون عقول قادرة على التخطيط والابتكار ومعالجة الأزمات. فالأمم تُقاس بعلمائها ومفكريها وما تنتجه من معرفة تخدم البشرية، ويبقى الاهتمام بالتعليم والبحث العلمي بصيص الأمل في مواجهة التخلف والفوضى.

الجهل_العلم.jpg

 

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!