كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

سُلطة المُثقف، وسُلطة المُستبد

   لعل ابرز أدوات المثقف هي القلم والمحبرة والورق وهي قائمة على أساس عصارة نتاجه الفكري، فتأثيره بتلك الادوات أقوى واشد فتكاً حتى من الاسلحة النووية، فهو يستهدف بناء العقل من خلال القدرة على إقناع الآخرين بما هو واقعي ومفيد وشرعي وغير شرعي، فضلاً عن تمتعه بمقدرة المشاركة بشكل واضح وجامح في تهذيب وإنماء الأفكار التي تدعم الأنساق السياسية والاجتماعية المختلفة، وفي الوقت ذاته يمتلك القدر المعقول من النفوذ في تحديد مصير وافعال العديد من الناس، بمعنى آخر، إنه يتمتع بتأثير في إقناع الآخرين إلا أنه، في الوقت عينه،   لا يملك القوة والمُكنة في إلزامهم بها، أو بالأخذ بما يريد إقناعهم به، فهو رائد في التميّز المعرفي النظري كونه يقوم بعمل ذهني مبدع وخلاق ينماز عما يقدمه أصحاب العلوم التطبيقية في الأعمال الإدارية والهندسية والتقنية من ‏تطبيقات          للمعرفة النظرية.
ومن هنا وجب التمييز بين المعرفة النظرية في المجتمع ودور المثقف الحق (الصادق) وغيره عن المثقف المُتطفل الذي يدّعي الثقافة ولا يغير شيئاً في مجتمه، أو حتى يساهم في تجمعه الانساني الذي ينتمي أليه، أو رفع قيم المعرفة النظرية بين افراد المجتمع .
يُحكى انه في أحدى الأزمنة الماضية كان هناك مثقف ينصح الناس من حوله وينير لهم بصيرتهم، ويعرّفهم بالصواب والخطأ في بناء المجتمع، ويرشدهم لآلية استرداد حقوقهم المغتصبة دون المساس والتطاول على بناء منظومة الدولة ومؤسساتها، فتعالت الأصوات المعاضدة له، والمؤيدة لما يطرحه من أفكار ورؤى ضد طاغية زمانه، حتى أصبح يقلّب مضجعه ويهز عرشه، فليله تحول إلى نهار والنهار انقلب الى ليل، حتى ان بعض الوزراء تولدت لديهم قناعة بالعصيان ورفض إطاعة بعض الأوامر لأنها تسيء للنفس الإنسانية وللقيمة البشرية، واُرسلَ مبعوث اليه للتحاور مع الطاغية فعُقدت جلسة مغلقة عُرضت عليه فيها مغريات شتى من مناصب وقصور وخدم وجواري ومقاطعات فرفضها جميعا، وردد قائلا: (أنني اعتبر نفسي صاحب رسالة ومبدأ ومبادئي  لا تسمح لي بذلك في الانزلاق بهذا المشروع الذي يقوّم دعائم سطوة حكمك المستبد على المستضعفين)، فأقتنع الطاغية ان لا مناص من تصفية المثقف جسدياً وفعلاً أوعز للسياف بأن يقطع رقبته، فأشار مستشاروه عليه بأن ذلك سيجعل من المثقف منبراً لكل المناهضين للسلطة، وبعدها تتحول افكاره من ممارسة فردية ضد حكمك الى ظاهرة تدعو الى مقارعة سياسات وممارسات غير منطقية وتعسفية لا تتلائم مع طبيعة وفطرة كرامة الانسان، فالحل الأمثل في رأيهم نفيه خارج البلاد بعد الوصول الى طريق مغلق معه، فكان ذاك، وكان له اثرا مؤلما بحقه لأنه طرد الى بيئة لا تحترم المثقف ولا تعرف اي شيء عن منطق الحوار والتفاهم، وبالتالي ضل يكابد مع نفسه فهو يغرد خارج السرب وحديث الحكم والموعظة في سوق النحاسين لا يُسمع صداه فصوت المطرقة والسندان أقوى وأكثر ايقاعاً على باقي الاصوات، وبعد مضي فترة من الزمن ارسل الحاكم المستبد وفداً ليستقرأ ما آلت أليه التجربة المريرة للمثقف فوجدوه منكباً على نفسه منصهراً مع ذاته فاقداً عقله وتحولت حكمه ومواعظه الى حكاية من الزمن الماضي، وضل من باع قيمه ومبادئه  للحاكم يشرعن له الفساد والقتل والترويع بالناس وبدم بارد، ففي كل يوم هناك فتوى تبيح له المحظورات وتسهل اليه الممنوعات.
من ذلك نجد انه وعلى مر الزمن والعصور يخشى الطغاة سلطة المثقف التي لاتحدها قوانين وضعية، ولا تعليمات تصدرها السلطة، فهي مفتوحة ومتجددة، كون المثقف يستهدف احياء الضمائر وإنارتها قبل ان تقع في طريق الظلام والخطيئة، ويميط عنها اللثام، بينما يريد المُستبد ان يثقف الضمائر على الخرافة والاساطير حتى تسهل السيطرة عليها.
ان الثقافة تزدهر دوماً في مناخات الحرية والاستقرار السياسي والاقتصادي حتى تأخذ دورها الرائد في بناء مجتمع متحضر، وهذا يحدث عندما تنظر السلطة السياسية الى المثقف بعين الاحترام والتقدير، وتعتبره جزء مهماً ومشاركا فاعلا معها في تحمل المسؤولية من خلال نشر قيم الولاء للوطن ومفاهيم لغة الحوار مع الاخر الذي يمثل مكونات المجتمع المختلفة على اساس الوصول الى الحقيقة، وليس بعين الانتقاص في مصادرة فكره وسلب رأيه وذلك باتهامه بشتى التهم وعلى رأسها التآمر، وبالتالي نلفي ان هناك ظاهرة متفشية في المجتمعات على مر العصور يمكن تسميتها بالانتهازية يعمل بها كل من لا تتوفر لديه قيم ومبادئ، فتجدهم يبررون العقوبات الصارمة بحق المثقف وتخوينه ومباركة البطش به، وعند قراءة التاريخ نجد ان هذه العقوبات لم تقتصر على عصر بعينه، بل حدثت في مختلف مراحل تطور العقل الانساني وفي مختلف بقاع هذه الارض، فالصراع هو بين خيمة الخير التي يمثلها المصلحون والكتاب والفقهاء اللذين يساهموا في نشر الوعي، ومعسكر الشر الذي يتبناه الفساد والمفسدين، لكن النهاية والغلبة لأولئك الذين يرسمون حياة هادئة مطمئنة ومستقرة في الارض بعيدة عن الفوضى والخراب.
سيبقى المُثقف حامل رسالة وفكر أمته، وهو الذي يرسم لها طريق الاصلاح والاستقامة والتنمية.

✦ كتابات في الميزان ✦

يقدّم المقال المثقف بوصفه صاحب سلطة معنوية مصدرها الفكرة والقلم لا القوة والإكراه، ويضعه في مواجهة تاريخية مع الاستبداد الذي يخشى الوعي أكثر مما يخشى السلاح. ومن خلال الحكاية الرمزية للمثقف المنفي، يكشف النص الفرق بين صاحب المبدأ ومثقف السلطة الذي يشرعن الفساد مقابل المكاسب. وتخلص الفكرة إلى أن الثقافة الحقيقية لا تزدهر إلا في مناخ الحرية، وأن المثقف الصادق يبقى حاملًا لمسؤولية الإصلاح وإنارة الوعي.

المثقف.jpg



التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!