كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

حين تتحدث الأرقام... تسقط الوعود بشأن أزمة مياه البصرة

 خلال الأيام الماضية، أدلى عدد من أعضاء مجلس النواب بتصريحات مفادها أن أزمة المياه في البصرة ستتجه نحو الحل بعد تخصيص مبلغ ستة مليارات دينار لاستكمال متطلبات تشغيل مشروع ماء البدعة الأنبوبي. غير أن هذه التصريحات تستوجب التوقف عندها، لأنها لا تنسجم مع الحقائق الفنية والبيانات الرسمية.

إن اختزال أزمة المياه في البصرة، وهي واحدة من أعقد الأزمات الخدمية التي تعاني منها المحافظة منذ سنوات، وتصوير حلها على أنه يكمن في مجرد تخصيص هذا المبلغ، لا يمثل قراءة سطحية للملف فحسب، بل يعد تسفيهاً وتقزيماً لحجم المأساة التي يعيشها أبناء البصرة.

فالبيانات الرسمية تؤكد أن قناة البدعة لا تؤمن حالياً لمشروع ماء العباس، المعروف شعبياً بمشروع (R0)، سوى (3) متر مكعب/ ثانية، بما يعادل (7.75%) من حاجة البصرة إلى المياه. وحتى في حال استكمال مشروع ماء البدعة الأنبوبي، فإن كمية المياه الواصلة إلى مشروع ماء العباس لن تتجاوز (6) متر مكعب/ ثانية، ما يعني أن مساهمة قناة البدعة في تأمين الإيرادات المائية لمحافظة البصرة لن تتجاوز (15.5%) حتى في أفضل سيناريو تشغيلي.

وهذا يعني أن المشروع، حتى في أفضل سيناريو تشغيلي له، لن يوفر سوى ما يقارب سدس احتياجات البصرة من المياه العذبة. فكيف يمكن، والحال هذه، تصوير تخصيص ستة مليارات دينار على أنه الحل الذي سينهي أزمة المياه في البصرة؟
ويبرز هنا السؤال الجوهري: هل المشكلة في التمويل حقاً، أم في الإدارة والتخطيط والتنفيذ؟
إن من يتابع ملف مشروع ماء البدعة الأنبوبي يدرك أن أحد أبرز أسباب تعثره يتمثل في الإخفاقات التي رافقت إعداد الدراسات والتصاميم وتنفيذ المشروع. ويكفي للدلالة على ذلك أن شركات وزارة الموارد المائية اضطرت إلى التعاقد بالباطن مع إحدى شركات القطاع الخاص لتنفيذ أجزاء منه، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة بشأن كفاءة إدارة المشروع منذ مراحله الأولى.

والأكثر إثارة للاستغراب أن وزارة الموارد المائية تطلب اليوم تخصيص مبلغ (6,155,535,000) دينار لإضافة مكوّن يتمثل في إيصال التغذية الكهربائية (33 كي في) إلى محطة ضخ مشروع ماء البدعة الأنبوبي، رغم أن هذا الطلب جاء بعد أيام فقط من صدور قرار مجلس الوزراء القاضي بعدم جواز إضافة أي مكوّن جديد إلى المشاريع الحكومية.

وإذا كانت التغذية الكهربائية شرطاً أساسياً لتشغيل المشروع، فلماذا لم تُدرج ضمن التصاميم الأساسية منذ بداية المشروع؟ وكيف أصبحت اليوم مكوّناً إضافياً يحتاج إلى تخصيص مالي جديد؟

إن احترام عقول البصريين يبدأ باحترام الحقائق والوثائق الرسمية. أما الإيحاء بأن أزمة مياه البصرة ستنتهي بمجرد تخصيص ستة مليارات دينار لمشروع لن يؤمن، حتى في أفضل سيناريو تشغيلي له، سوى (15.5%) من احتياجات المحافظة للمياه العذبة، فهو يتعارض مع الوقائع الفنية والبيانات الرسمية، ويختزل واحدة من أعقد أزمات البصرة في حل لا يستطيع، حتى وفق أفضل التقديرات، أن يوفر سوى نحو سدس احتياجاتها من المياه.

✦ كتابات في الميزان ✦

يكشف المقال بالأرقام أن استكمال مشروع ماء البدعة الأنبوبي لن ينهي أزمة البصرة، إذ لن تتجاوز مساهمته، وفق البيانات الواردة، 15.5% من حاجتها إلى المياه العذبة. ويضع الكاتب جوهر المشكلة في ضعف الإدارة والتخطيط والتنفيذ، متسائلًا عن سبب إغفال التغذية الكهربائية من التصاميم الأساسية للمشروع. ويؤكد أن معالجة الأزمة تتطلب حلولًا متكاملة وشفافة، لا وعودًا تختزل معاناة المحافظة في تخصيص مالي محدود.

ماء_البصرة.jpg



التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!