كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

نهاية زمن الممرات الآمنة

 يوم الأربعاء 29 تموز/يوليو 2026، لم يكن الحريق الذي اندلع في ميناء دمياط مجرد حادث أمني عابر، بل تحول إلى مؤشر على طبيعة المرحلة الجديدة التي تعيشها المنطقة.

فإذا كانت الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر قد دفعت العالم إلى البحث عن بدائل أكثر أمناً، فإن امتداد التهديد إلى أحد أهم موانئ شرق المتوسط يثير تساؤلاً مشروعاً: هل ما زالت هناك ممرات بحرية يمكن وصفها بأنها آمنة تماماً؟

سقوط معادلة البديل الآمن
منذ تصاعد التوتر في البحر الأحمر، اعتمدت أسواق الطاقة العالمية بصورة متزايدة على البدائل المصرية، وفي مقدمتها قناة السويس وخط أنابيب سوميد، الذي شهد ارتفاعاً ملحوظاً في كميات النفط المنقولة خلال الأشهر الأخيرة.

هذا الواقع عزز الاعتقاد بأن ما يتعطل في الجنوب يمكن تعويضه عبر الشمال، وأن مصر تمثل نقطة الاستقرار الأساسية في شبكة نقل الطاقة الإقليمية.

لكن استهداف منشآت أو سفن مرتبطة بميناء دمياط، حتى وإن كان محدود الأثر ميدانياً، يبعث برسالة مختلفة مفادها أن مناطق العبور الاستراتيجية نفسها أصبحت ضمن حسابات الصراع.

الهدف يتجاوز الأضرار المباشرة
الأضرار المادية قد تكون قابلة للاحتواء، وقد نجحت السلطات المصرية في التعامل مع الحادث بسرعة، إلا أن التأثير الحقيقي في مثل هذه العمليات غالباً لا يقاس بحجم الخسائر، بل بما تتركه من آثار نفسية واقتصادية.

فمجرد انتقال التهديد إلى موانئ المتوسط قد يدفع شركات التأمين إلى إعادة تقييم المخاطر، ويرفع كلفة النقل البحري، ويزيد من تقلبات أسواق الطاقة، حتى لو استمرت حركة الملاحة بصورة طبيعية.

إن استهداف سفن الغاز أو البنية التحتية المرتبطة بالطاقة لا يقتصر أثره على المنشآت نفسها، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة وأمن الإمدادات في المنطقة وأوروبا.

مصر أمام معادلة أمنية جديدة
لم تكن مصر طرفاً مباشراً في معظم بؤر التوتر الإقليمية، لكنها بحكم موقعها الجغرافي وشبكة موانئها وقناة السويس أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة أمن الطاقة العالمية.

ولهذا فإن أي تهديد يستهدف هذه المنظومة يفرض تحديات إضافية تتعلق بحماية الموانئ والمنشآت الحيوية وخطوط النقل، فضلاً عن تطوير وسائل مواجهة الطائرات المسيّرة والتهديدات غير التقليدية.

لقد أثبتت إدارة الأزمة كفاءتها في احتواء الحادث، لكن المرحلة المقبلة قد تتطلب التركيز بصورة أكبر على منع وقوع مثل هذه الهجمات قبل حدوثها.

نهاية المناطق الآمنة
تكشف تطورات الأشهر الأخيرة عن تحول مهم في طبيعة الصراعات الحديثة. فالتكنولوجيا منخفضة الكلفة، مثل الطائرات المسيّرة، قلّصت أثر المسافات، وجعلت استهداف المنشآت الحيوية أكثر سهولة مما كان عليه في السابق.

ولذلك لم يعد ممكناً الفصل الحاد بين مناطق "ساخنة" وأخرى "باردة"، أو بين جبهات قتال وأخرى بعيدة عن الخطر.

قد لا يكون ما حدث في دمياط نهاية للممرات الآمنة بالمعنى المطلق، لكنه بالتأكيد إنذار بأن مفهوم الأمن التقليدي لم يعد كافياً، وأن حماية طرق التجارة والطاقة أصبحت تتطلب مقاربات جديدة تتناسب مع طبيعة التهديدات المستجدة.

لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة مختلفة، تتراجع فيها حصانة الجغرافيا، وتزداد فيها أهمية القدرة على الردع والاستباق أكثر من الاعتماد على المسافة أو الموقع.

✦ كتابات في الميزان ✦

يقرأ المقال هجوم الطائرة المسيّرة على سفينتي غاز في ميناء دمياط بوصفه تحولًا يتجاوز حدود الحادث، ويمسّ مفهوم أمن الملاحة والطاقة في شرق المتوسط.
ويرى أن انتقال التهديد من البحر الأحمر إلى الموانئ المصرية يضعف الرهان على قناة السويس وخط سوميد باعتبارهما بديلين آمنين لطرق الإمداد المضطربة.
كما يلفت إلى أن التأثير الأخطر قد يظهر في ارتفاع كلف التأمين والشحن واضطراب سلاسل الإمداد، حتى مع احتواء الحريق وعدم تسجيل إصابات.
ويخلص إلى أن تراجع حصانة الجغرافيا يفرض على مصر والمنطقة تطوير قدرات الردع والاستباق ومواجهة المسيّرات لحماية المنشآت والممرات الحيوية.

قصف_دمياط.webp

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!