كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

هل بهذا الأسلوب الرخيص تعاقب الحكومة الإسبانية؟

 لا يمكن المرور على ما حدث عند بوابة اسبانيا من جهة المغرب، من دون تساؤل فرض نفسه،

ويبحث عن جواب عقلاني مقنع، عن الذي حصل يوم أول أمس، عندما خرج نحو 60 ألف مغربي بين رجال ونساء، كأسراب طيور مهاجرة، ينشدون أملا بمستقبل واعد، لم يحصلوا عليه في المغرب بعد طول انتظار، ظاهرة لم تحصل من قبل بمثل زخمها الذي بدا للعالم، قد استفزّه المشهد بحيث بقي مشدودا إليه متسائلا عما خفي عنه وراءه، فما الذي حصل حتى تتألف هذه الجموع الغفيرة من المغاربة ليقتحموا حدود مستعمرة سبتة، ويدخلوا من بوابتها برا وبحرا، يحدوهم أمل فتح اسبانيا حدودها الشمالية ليدخل هؤلاء إلى أوروبا ويستقروا بها.

الظاهرة اجتماعية مغربية وعربية بالأساس، وقع استغلالها من طرف من له مصلحة، في خلق مناخات اضطرابات اجتماعية، وتجميع المشاركين في غزوتها عمدا، واللعب بمشاعر وعواطف مواطنين مغلوبين على أمرهم، جاؤوا من مختلف المدن المغربية، على أمل الهجرة طلبا في تحسين ظروفهم المعيشية القاسية، فمن نظّمها ووقف محرّضا هجمتها على الحدود، وفرضية أنها كانت عفوية مستبعدة لا يمكن قبولها، لكن قبل الإجابة على هذه الأسئلة لا بد من الأخذ بعين الاعتبار مواقف سياسية وطنية عادلة اتخذتها اسبانيا بشأن أمريكا وإسرائيل.

وفيما كان الرئيس الأمريكي ترامب يبحث عن حلفاء آخرين يزج بهم في أتون عدوانه على إيران، بدت الحكومة الاسبانية بعيدة كل البعد عن تأمّلاته، ورفضها التّام بقيادة (بيدرو سانشيز) السماح للجيش الأمريكي باستخدام قاعدتي (روتا) و(مورون دي لا فرونتيرا) العسكريتين الأمريكيتين الاسبانيتين في عدوانه ضد إيران، أدّى إلى اندلاع أزمة دبلوماسية بين البلدين، لا تزال قائمة إلى اليوم، بعد التهديدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي ضد الحكومة الاسبانية، والتي بدأت مراحلها تنكشف، بحملة زج الشباب المغربي في مشروع هجرة غير نظامية، بدأت تظهر تداعياتها بسرعة، حيث سارع الاتحاد الأوروبي إلى إتّخاذ موقف حازم من اسبانيا، بالدعوة إلى تجميد عضويتها في اتفاقية شنغن بالاتحاد الأوروبي، خوفا من تدفق غير محسوب للمهاجرين المغارية من الحدود الاسبانية المغربية، فيما لم تتوانى رئيسة الوزراء الإيطالية (جورجيا ميلوني) عن شنّ هجوم حادّ على الحكومة الإسبانية، مؤكدة أن ما حدث يمثل فشلًا ذريعًا في تأمين حدود أوروبا، وجاء ردّ اسبانيا سريعا، فقامت بتقديم احتجاج للسفير الإيطالي عمّا صدر من رئيسته ميلوني .

هذا التدافع والتراشق والتخوين الذي صدر من بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي، كان تعبيرا على حالة طرأت على اسبانيا لم تكن مألوفة من قبل، ويدفعنا إلى احتمال أن العملية كلّها كانت مؤامرة مدبّرة ضد اسبانيا، مما يرجح فرضية تنفيذ ترامب وعيده لها بالعقوبة على مواقفها الشجاعة من عدواني غزة وإيران، فذهب إلى خلق أزمة سياسية حادة بين عضو في الاتحاد الأوروبي وبقية الأعضاء، وملفّ مقاومة الهجرة الغير شرعية من شمال افريقيا، لا يزال بصدد معالجته الأمنية، سواء بتحفيز الدول المعنية بانطلاق عمليات الهجرة منها، وترغيبها في شكل قروض ومساعدات وتنظيم هجرة أيد عاملة موسمية، أو ذات اختصاص الدول الأوروبية بحاجة إليها.

الحادثة المغربية شكلت ظاهرة فريدة في عصرنا لهجرة مصطنعة وليست عفوية، فهجوم عشرات آلاف المغاربة على مدينة سبتة، لم يكن فيه هدف وطني أبدا، فالذين انخرطوا في عملية الغزو لم يكن في خلدهم أنّ المدينة مغربية ومحتلة من الإسبان شأنها في ذلك شأن مليلية.

الحكومة الاسبانية كان لها مواقف مشرفة بشأن عدد من القضايا الدولية، من بينها القضية الفلسطينية وعملية إبادة غزة، والعدوان الأمريكي الصهيوني على ايران، فقد أعلنت اسبانيا أنها ضدّ الأعمال العسكرية في قطاع غزة انتقاما من العدو الصهيوني من اجتياح المقاومة الفلسطينية لغلاف غزة في السابع من أكتوبر سنة 2023، وجددت معارضتها للعدوان الأمريكي على ايران ورفضها الانخراط فيها ولو بالسماح للأمريكيين باستعمال قواعدها في ضرب ايران، واخضاعها لمنطق الرعونة الأمريكي.

فيما انتهزت إسرائيل الفرصة، ولعل الذي حصل كان مخططا مدبّرا من نتاج دهاة أجهزة مخابراتها، فهذا مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة، طالب اسبانيا بإعادة مدينتي سبتة ومليلية إلى الأراضي المغربية، كأنه نسي أنّ كيانه محتل أرض فلسطين، ويخطط لبقية الأراضي المحيطة بها، فأيّ وقاحة أكبر من أن ينبري محتلّ عديم الإنسانية، ليطالب غيره بتحرير مدينتين بقيتا تحت الاحتلال الاسباني منذ زمن، ويتناسى وضعه الاستعماري؟

النظام المغربي وهو في سعيه المحموم من أجل ضمّ الصحراء الغربية إلى الراضي المغربية لم يجد سبيلا أوفق له من التطبيع مع إسرائيل، يمكنه من الحصول عليها بدعم أمريكي صهيوني، بما يمثّله الثقل الأمريكي في السياسة العالمية والمنتظم الأممي، والمغرب التي تعتبر محتلة لأجزاء من الصحراء ناهبة ثرواتها الفوسفاتية، ساعية لتغيير ديمغرافي يسمح بترجيح كفة المستوطنين المغاربة على أبناء الصحراء الأصليين، فمنظمة الاتحاد الإفريقي لا تزال تعبر الصحراء الغربية محتلة من المغرب وتؤيّد استقلالها، باعتراف أغلب دول الاتحاد واعتبار حكومتها ورئيسها شرعيين لديه، ويحضرون جلساته الدورية والاستثنائية.

دخلنا إذا عصر قلب الحقائق والادّعاء بالباطل بشأن قضايا تحررية، فيما تتصارع على حلبته جبهتان: واحدة تقاوم وتعمل على تحقيق طموحات شعوب لا تزال تبحث عن سبيل للتحرر كالشعب الفلسطيني، الذي يناضل من اجل التخلص من كيان صهيوني غُرِس في قلب الأمّة الإسلامية من اجل السيطرة على مواردها والتحكّم في مستقبلها، كيان أجمعت شعوب العالم على أنّه سرطان يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها، وشعوب أخرى تريد الخروج من الهيمنة الغربية الأمريكية، وانهاء منظومة القطب الواحد، ولا أعتقد أنّ ما سينجلي عنه هذا الصراع سيكون في صالح أحرار العالم، حيث سيتخلصون من حقبة هي الأسوا في عصرنا هذا.

سبته.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!