وفي هذا الجزء من البحث نستكمل ذكر الايات الكريمه التي تذم الاعراب بصوره عامه واعراب نجد بصوره خاصه
5- قال الله تعالى
إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿ ٤ ﴾ الحجرات
نزلت هذه الآية الكريمة في جفاة بني تميم من اعراب نجد، وقد قدم وفد منهم على النبي صلّى الله عليه وآله، فدخلوا المسجد على عادتهم من الجفاء وعلو الصوت في الكلام فنادوا النبي صلّى الله عليه وآله من وراء حجراته ان اخرج الينا يا محمد وفيهم الاقرع بن حابس، عيينة بن حصن، الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم وعمرو بن الاهتم، من قبائل تميم وهوازن وأشجع وأسد. فاجتمعوا عند النبي صلّى الله عليه وآله بالمفاخرة والشعر وكثر اللغط والهرج عنده صلّى الله عليه وآله فأنزل الله تعالى الآية الكريمة :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿ ٢ ﴾الحجرات
لان رتبة النبوة والرسالة يجب ان توقّر وتُبجلّ ولا يكون الكلام مع الرسول صلّى الله عليه وآله كالكلام مع غيره
وقال الزمخشري في (ربيع الأبرار)،: كان قوم من سفهاء بني تميم، أتوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالوا: يا محمد، اخرج إلينا نكلمك. فغم ذلك رسول الله (صلى الله عليه و آله) و ساءه ما ظهر من سوء أدبهم، فأنزل الله تعالى:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ }
قال تعالى 6 -
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴿ ٥٨ ﴾التوبه
كان الاعراب المنافقون من اهل نجد يترقبون الفرص للصد عن الإسلام والطعن بالنبي صلّى الله عليه وآله بأثارة الشُبهة والاستنكار في عدالة القسمة وتوزيع اموال الزكاة والصدقات والغنائم، وايجاد الريبة في قلوب ضعفاء الايمان،
أورد البخاري في صحيحه عن هشام عن معمر، قال: بينا رسول الله صلّى الله عليه وآله يقسم قسماً من غنائم حنين، اذ جاءه ابن ذي الخويصرة وهو حرقوص بن زهير التميمي (وهو رجل من بني تميم من اعراب نجد) فقال: اعدل يا محمد، فقال: ويلك ومن يعدل اذا لم اعدل، فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله أتأذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال النبي صلّى الله عليه وآله:
دعه فإن له اصحاباً يحتقر احدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية
وفي تفسير القرطبي
قال أبو سعيد الخُدْريّ: " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقسم مالاً إذ جاءه حُرْقُوص بن زهير أصلُ الخوارج، ويُقال له ذو الخُوَيِصرة التميميّ فقال: إعدل يا رسول الله. فقال: «وَيْلَك ومَن يعدل إذا لم أعدل» فنزلت الآية " حديث صحيح أخرجه مسلم بمعناه. وعندها " قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأقتلَ هذا المنافق. فقال: «معاذ الله أن يتحدّث الناس أني أقتل أصحابي إنّ هذا وأصحابَه يقرأون القرآن لا يُجاوز حناجرهم يَمْرقون منه كما يَمْرُق السهم من الرّميّة
7 - قال الله تعالى
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿ ١٠٧ ﴾التوبه
قال ابن عاشور والقرطبي وابن كثير وابن البغوي والطبري في تفاسيرهم: إنهم خذام بن خالد، ثعلبة بن حاطب، متعب بن قشير، ابو حبيبة بن الازعر، عباد بن حنيف وغيرهم ورئيسهم ابو عامر الفاسق (الراهب) وكلهم من قبائل نجد واعرابها، بنوا لهم مسجداً ليكون محلاً لاجتماعاتهم ومؤامراتهم ضد النبي صلّى الله عليه وآله والمسلمين، فأمر الله تعالى رسوله صلّى الله عليه وآله بحرقه وتخريبه واصبح مكاناً للجيفة والقمامة
8 - وقال الله تعالى
وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿ ٣٣ ﴾النور
عن مجاهد: ان اقواما من الاعراب في نجد، في الجاهلية والإسلام كانوا يكرهون فتياتهم وإماءهم ونساءهم على الزنا ليأخذن اجوراً على بغائهن، طلباً للمال والربح، ويلّدن اولاداً ينسبونهم اليهم
وقال مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله، ان الآية الكريمة نزلت في عبد الله بن ابي سلول، رأس المنافقين، من بني تميم النجدية كانت عنده كثير من البنات والاماء، يكرههن على الزنا، وقد ولدن له كثيراً من الأولاد، كما يصفه ابن كثير في تفسيره ، فكرهت احداهن هذا العمل الشنيع، وحلفت ان لا تفعله مرة اخرى، فأكرهها اهلها على ذلك، فكان الوحي بالمرصاد، ونزلت الآية الكريمة،
وفي عشرات من الآيات البينات، يتناول القران الكريم كفر ونفاق ودجل وفساد اعراب نجد وقبائلها، ويكشف زيف اسلامها فضلاً عن ايمانها
ويقول البحراني في تفسيره: قوله تعالى: { وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } - إلى قوله تعالى- { غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [33]
علي بن إبراهيم، قال: كانت العرب و قريش يشترون الإماء، و يجعلون عليهن الضريبة الثقيلة، و يقولون: اذهبن و ازنين و اكتسبن، فنهاهم الله عز و جل عن ذلك، فقال: { وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } إلى قوله تعالى { غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي لا يؤاخذهن الله بذلك إذا اكرهن عليه
9- قال الله تعالى
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴿ ٢٠ ﴾ الفتح
يقول البغوي في تفسيره
وذلك ان النبي صلّى الله عليه وآله لما قصد خيبر وحاصر اهلها، همّت اعراب المشركين من بني اسد وغطفان وكانوا احلافاً ليهود خيبر أرادوا ان يغيروا على اموال المسلمين وعيالهم بالمدينة المنورة، فكفّ الله ايديهم عنهم بإلقاء الرعب في قلوبهم،
وقيل ان مالك بن عوف وعُيينة بن حصين مع بني اسد وغطفان جاؤوا لنصرة اليهود في خيبر فقذف الله تعالى الرعب في قلوبهم وانصرفوا
ويقول ابن عاشور
وقيل : المراد كف أيدي الأعراب المشركين من بني أسد وغطفان وكانوا أحلافاً ليهود خيبر وجاءوا لنصرتهم لما حاصر المسلمون خيبر فألقى الله في قلوبهم الرعب فنكصوا
قال تعالى 10-
مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿ ١٢٠ ﴾التوبه
يقول الرازي في التفسير الكبير
قال تعالى: { مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ } والأعراب الذين كانوا حول المدينة مزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، وغفار، هكذا قاله ابن عباس. وقيل: بل هذا يتناول جميع الأعراب الذين كانوا حول المدينة فإن اللفظ عام، والتخصيص تحكم، وعلى القولين فليس لهم أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يطلبوا لأنفسهم الحفظ والدعة حال ما يكون رسول الله في الحر والمشقة، وقوله: { وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ } يقال: رغبت بنفسي عن هذا الأمر أي توقفت عنه وتركته، وأنا أرغب بفلان عن هذا، أي: أبخل به عليه ولا أتركه. والمعنى: ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول عليه الصلاة والسلام لنفسه.
واعلم أنه تعالى لما منع من التخلف بين أنه لا يصيبهم في ذلك السفر نوع من أنواع المشقة إلا وهو يوجب الثواب العظيم عند الله تعالى ثم إنه ذكر أموراً خمسة: أولها: قوله: { ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ } وهو شدة العطش يقال ظمىء فلان إذا اشتد عطشه. وثانيها: قوله: { وَلاَ نَصَبٌ } ومعناه الإعياء والتعب. وثالثها: { وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } يريد مجاعة شديدة يظهر بها ضمور البطن ومنه يقال: فلان خميص البطن. ورابعها: قوله: { ولا يطئون موطئآ يغيظ الكفار } أي ولا يضع الإنسان قدمه ولا يضع فرسه حافره، ولا يضع بعيره خفه بحيث يصير ذلك سبباً لغيظ الكفار قال ابن الأعرابي: يقال غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى واحد، أي أغضبه. وخامسها: قوله: { وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً } أي أسراً وقتلاً وهزيمة قليلاً كان أو كثيراً { إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ } أي إلا كان ذلك قربة لهم عند الله ونقول دلت هذه الآية على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيته وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله. وكذا القول في طرف المعصية فما أعظم بركة الطاعة وما أعظم شؤم المعصية، واختلفوا فقال قتادة: هذا الحكم من خواص رسول الله إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر
وفي الجزء الثالث سنتطرق ان شاء الله الى الاحاديث الوارده في ذم الاعراب


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!