بات من المؤكد أن أمريكا ورّطت نفسها في العدوان الذي ارتكبته بحق إيران، فاضطراب مواقف وتصريحات ادارتها وفي مقدمتهم رئيسهم دونالد ترامب، والتي تراوحت بين الوعيد الغير متحقق، وبين التراجع الذي يخفي معلومات لا تريد هذه الإدارة كشف مضامينها كل مرّة يُعلن فيها تراجعا عن ضربة ما هددت بتنفيذها، ولا أقل هنا من القول بأنّ أمريكا أصبح لها ما يكفي من القناعة بأنها وقعت في ورطة كبرى، وتبحث لها عن مخرج فلا تجد ما يضمن سلامة مصالحها في المنطقة، ويعيد لها سمعتها التي تهاوت بضربات القوات الإيرانية الدقيقة والتي جعلت القيادة الأمريكية تقرر إخلاء أغلب القواعد المتضررة من عساكرها، تفاديا للخسائر البشرية التي ارتفع رقمها بين قتلى وجرحى، وتعمل جاهدة على التكتّم عليها.
ومع القناعة التي وصل إليها الأمريكان، بأن اخضاع ايران الى مشيئتهم أصبح مستحيلا، بقيت لهم باقية في استعمال ورقة الإرهاب التكفيري من بقايا داعش وأخواتها، فتحريك هؤلاء العناصر الذين هم واقعا صنائعها تأسيسا وتخطيطا وبرمجة، قد يساعد على فتح ثغرة ما على الحدود الإيرانية لفسح المجال لعمل برّيّ بإمكانه تغيير فشل وهزيمة أمريكا العسكرية والسياسية وتحويلها إلى بصيص أمل في انتصار ولو كان شكليّا، قد يحفظ ما بقي لها من كبرياء مزيّفة أمام دول العالم، خصوصا تلك التي ترى فيها قوّة لا تُقهر، وسلمت لها مقاليد سياساتها الخارجية.
ويبدو أن تطابقا في هذا التوجّه قد حصل بين رُبّانة الفوضى والإرهاب الدولي، وبلدان استعبادها جنوبي الخليج الفارسي، فهناك معلومات باتت مؤكدة تقول أن قوات تكفيرية قادمة من سوريا وصلت إلى الكويت وتمركزت على الحدود مع العراق، وأن فرقا أخرى من نفس الانتماء التكفيري الإرهابي قد وصلت بآلياتها الجديدة وانتشرت على الحدود السورية العراقية، تديرهم غرفة عمليات تشترك فيها أمريكا وبريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني، بما يعنيه أن خبراء عسكريون من تلك الدول متواجدون هناك من أجل تسيير العمليات العسكرية ومتابعتها من هناك، وهو مخطط يشرف عليه توم باراك.
قناعة أمريكا وكيانها الصهيوني في المنطقة، أنّ مشروع المقاومة يجب أن ينتهي بنزع سلاح حركاتها، فلا بقاء ولا استمرار إسرائيل وتوسّع مشروعها في ضمّ وقضم دول أخرى إليها سيطرة بالقوة العسكرية مع وجود حركات المقاومة في جنوب لبنان وجنوب العراق وشمالي اليمن بقيادة ايران، وعلى ذلك فلا مناص من استعمال ورقة ضغط تكفيرية من شأنها أن تجمع إليها متعصّبي المذاهب السنّية، لتزيد من تأجيج فتنتها المذهبية، خصوصا وقد ظهرت بوادر ذلك التأجيج، بوقوع قسم من المسلمين تحت طائلة الدعايات المغرضة، بحق إخوانهم من المسلمين الشيعة.
الحدود اللبنانية السورية مرشحة بأن تكون مشروع جبهة صراع محتملة، تكون دعما للحكومة اللبنانية، في نزع سلاح حزب الله، وهو أمر متوقّع الحدوث، وتريد أمريكا وحلفائها الإشراف عليه مباشرة، وهو يمثل بصيص الأمل المعقود عليه انهاء تهديد هذا الحزب لمشروع التوسّع الصهيوني في المنطقة، وعلى أقلّ تقدير جدار الصّد الذي بقي متماسكا قويّا مانعا تقدّم القوات الصهيونية من جهة شمال فلسطين المحتلة، رغم امتلاكها أعتى الأسلحة.
مسلك الكويت في الاستعانة بهؤلاء المرتزقة، لم تُهمله السعودية ولا الإمارات العربية ولا البحرين، فجميع هؤلاء قد استعملوا هذه الورقة، وجانب من قواتهم من ذوي الفكر التكفيري الإرهابي، من جنسيات مختلفة، وأجهزة المخابرات الأمريكية الغربية الصهيونية، تشتغل على مدار الساعة، من أجل توفير تلك العناصر الخطيرة، وجذبها إلى مستنقع التحضير لأعمال عسكرية وارهابية هنا وهناك في عالمنا الإسلامي، وباكستان بؤرة من بؤر تواجد تلك العناصر المتطرّفة، وتحظى برعاية وعناية واشراف أمريكي غير مباشر.
وليست ايران ممن تُسْتَغْفَلُ، فأجهزتها العسكرية والاستخبارية على بيّنة من هذه الحركات والتنظيمات سواء في باكستان من جهة حدودها الشرقية، وفي العراق من جهة حدودها الغربية الشمالية، هذا الخطر الذي يمثله وجود هؤلاء الإرهابيين، مشمول به العراق واليمن، وفشل مشروع داعش الذي ساهم الشهيد قاسم سليماني في تحقيق وأده، ومع ذلك فلا يعني أنه انتهى، طالما أنه يوجد بيننا أناس متعصبون أغبياء، قد أمسك بمقاليد توجيههم أعداء الامّة الإسلامية، وجعلوا منهم أعداء لمشروع التحرر من الاستكبار والصهيونية، وقد نجحوا في البلوغ به مرحلته الأولى، في خلق مناخات انعدام الأمن والاستقرار، بافتعال أعمال إرهابية، استهدفت خصوصا المدنيين في باكستان وإيران والعراق واليمن، ألحقت أضرارا بشرية ومادية جسيمة بالشعوب الاسلامية المستهدفة.
تفطّن ايران وهي المستهدفة بالإرهاب في المقام الأول، إلى فرضية استعمال ورقة الإرهاب التكفيري، بديلا لحرب برية هددت أمريكا بخوضها ضد ايران، جعلها تسابق الزمن في جمع ما امكنها من معلومات عن تواجد أعدائها ممن باعوا أوطانهم وقسم منهم متواجد في معسكرات تدريب وتجميع وتخطيط، تحت اشراف أمريكي صهيوني غربي، في إقليم كردستان شمالي العراق، فبادرت عديد المرات باستهداف هؤلاء سواء بقصف صاروخي أو بعمليات عسكرية دقيقة على الحدود وداخل العراق، أدّت إلى قتل واعتقال من كان بتلك المعسكرات، وهذا مما اغاظ أمريكا وحلفاءها، وجعلهم يرتبكون في مواقفهم ويعيدون حساباتهم، على امل اصلاح ما إعاده الإيرانيون إلى مستوى صفر.
✦ كتابات في الميزان ✦
يطرح المقال الإرهاب التكفيري بوصفه أداةً محتملة في صراع لم تعد ساحته محصورة بالمواجهة العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى الأمن والحدود وإثارة الانقسامات المذهبية.
والمغزى الأعمق فيه أن الجماعات المتطرفة قد تتحول إلى أوراق في صراعات الدول، بينما تدفع شعوب المنطقة الثمن الأكبر من أمنها واستقرارها.
غير أن قوة هذا الطرح تبقى مرتبطة بمدى توثيق المعلومات والاتهامات الميدانية التي يستند إليها، خصوصاً في ظل حربٍ تختلط فيها الوقائع بالدعاية والتضليل.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!