جعل الله سبحانه وتعالى الحياة الإنسانية قائمةً على المحبة والتراحم، وأراد للمجتمع أن يكون متماسكاً بروابط الإيمان والقرابة؛ ولذلك قرن سبحانه وتعالى الأمر بتقواه بالأمر بصلة الأرحام، فقال عزّ من قائل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾، وجعل قطيعتها من أعظم الذنوب التي توجب سخطه، فقال سبحانه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾.
ولم تكن صلة الرحم في الإسلام خُلُقاً اجتماعياً فحسب، بل عبادةٌ يتقرب بها العبد إلى ربه، ودليلٌ على صفاء القلب، وعلامةٌ على صدق الإيمان. فمن وصل رحمه وصله الله برحمته، ومن قطعها عرّض نفسه للحرمان من فيض تلك الرحمة التي وسعت كل شيء.
ومن أروع ما ورد في تراث أهل البيت (عليهم السلام) ما رواه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، في تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، إذ قال: «إن الرحم التي اشتقها الله عز وجل من رحمته هي رحم محمد (صلى الله عليه وآله)، وإن من إعظام الله إعظام محمد، وإن من إعظام محمد إعظام رحم محمد».
وهذا البيان يكشف أن أعظم صور صلة الرحم هي تعظيم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومودة أهل بيته الطاهرين، واحترام من ارتبط بهم بالإيمان والولاء.
إن الرحم في المفهوم الإسلامي ليست رابطة دمٍ فحسب، بل هي رابطة رحمة؛ فكلما ازداد الإنسان قرباً من الله، ازداد رحمةً بخلقه، وأصبح قلبه أكثر عطفاً وإحساناً. ومن هنا كان المؤمنون، كما تصفهم الرواية، امتداداً لرحم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يجمعهم الإيمان، وتؤلف بينهم العقيدة، وتربطهم رسالة السماء.
ولذلك، فإن الاستخفاف بحرمة المؤمن، أو الإساءة إليه، أو هجره بغير حق، ليس أمراً هيّناً؛ لأن المؤمن يحمل شرف الانتساب إلى أمة النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد جعل الإمام (عليه السلام) تعظيم المؤمن من تعظيم رسول الله، وتعظيم رسول الله من تعظيم الله سبحانه وتعالى.
ولم يقتصر الإسلام على الدعوة إلى صلة الرحم، بل بيّن آثارها المباركة في الدنيا قبل الآخرة. فقد جاءت الروايات الكثيرة تؤكد أن صلة الرحم تزيد في العمر، وتوسّع في الرزق، وتدفع البلاء، وتبارك في الأعمال، وتورث محبة الناس، وتجعل الأسرة أكثر ترابطاً واستقراراً. وعلى العكس من ذلك، فإن قطيعة الرحم سببٌ لزوال البركة، وتعجيل العقوبة، وتفكك الأسرة، وانتشار الأحقاد والخصومات.
ثم يلفت الإمام (عليه السلام) الأنظار إلى سعة رحمة الله تعالى، فيبيّن أن الله خلق مائة رحمة، فجعل رحمةً واحدةً في الدنيا، بها يتراحم الناس، وتعطف الأم على طفلها، وتحمي الطيور فراخها، وترفق الحيوانات بصغارها، أما الرحمة الباقية فقد ادخرها لعباده يوم القيامة. فإذا كانت هذه الرحمة الواحدة قد ملأت الدنيا بكل صور الحنان، فكيف برحمة الله العظمى التي تنتظر عباده الصالحين؟
وهنا يتجلى الارتباط الوثيق بين الرحمة الإلهية وصلة الرحم؛ فمن أراد أن ينال رحمة الله، فليكن رحيماً بأهله وأقاربه، وليبدأ بأقرب الناس إليه؛ فإن القلوب تُفتح بالإحسان، والخلافات تزول بالعفو، والكلمة الطيبة قد تعيد علاقةً انقطعت سنوات طويلة.
وفي عصرنا الحاضر، أصبحت صلة الرحم أيسر من أي وقت مضى بوسائل الاتصال المختلفة، إلا أن الانشغال بأمور الحياة جعل كثيراً من الناس ينسون السؤال عن أقاربهم، أو يكتفون بالمناسبات، بينما أراد الإسلام أن تكون صلة الرحم عادةً مستمرة، بالسؤال، والزيارة، والاتصال، والمواساة، والمساعدة، وإصلاح ذات البين، والدعاء لهم في السر والعلن.
ولعل من أعظم صور صلة الرحم أن يبادر الإنسان إلى الصلح إذا وقع خلاف، وأن يتجاوز عن الزلات، وأن يقدم العفو على الخصومة؛ فإن الواصل الحقيقي ليس من يكافئ من وصله، وإنما من يصل من قطعه، كما أوصى بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله).
إن صلة الرحم ليست عادةً اجتماعية، ولا مجاملةً عابرة، بل هي عبادةٌ عظيمة أمر الله تعالى بها، وجعلها من أسباب نزول رحمته، وسعة رزقه، وبركة عمره، وطمأنينة قلبه. وما أجمل أن يبادر الإنسان إلى وصل أرحامه وهو قادر، قبل أن يحول الموت أو المرض أو تقلبات الحياة بينه وبين من يحب.
كم من كلمة اعتذار أُجِّلت حتى فات أوانها، وكم من زيارة تأخرت حتى غاب صاحبها، وكم من رحم قُطعت بسبب خلاف يسير كان يمكن أن يزول بكلمة طيبة أو مبادرة صادقة. فالدنيا قصيرة، والأعمار بيد الله، والسعيد من يغتنم أيامه في إصلاح ما بينه وبين الله، وما بينه وبين أرحامه.
فلنُبادر اليوم، قبل الغد، إلى صلة أرحامنا، وإحياء المودة في بيوتنا، وإكرام أهلنا وأقاربنا، ولنقتدِ برسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، الذين جعلوا الرحمة وصلة الرحم من أعظم مكارم الأخلاق. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الواصلين لأرحامهم، الفائزين برضوانه، المشمولين برحمته الواسعة، إنه أرحم الراحمين.
المصدر: تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، في تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، مع الاستفادة من الآيات القرآنية والروايات الواردة في فضل صلة الرحم.
✦ كتابات في الميزان ✦
يبيّن المقال أن صلة الرحم ليست سلوكاً اجتماعياً عابراً، بل عبادة ترتبط برحمة الله وصدق الإيمان، وتبلغ أسمى صورها في تعظيم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومودة أهل بيته. ويستعرض آثارها في زيادة البركة وتماسك الأسرة وإزالة الخصومات، داعياً إلى المبادرة بالصلح والعفو قبل فوات الأوان. فالرحمة التي تبدأ من الأسرة تمتد لتصنع مجتمعاً مؤمناً متراحماً.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!