كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

شلل الدولة والعلاج المطلوب

 بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72].

يُعدّ العمل والإنتاج مقياسًا لنجاح الدول التي تتطلع إلى التقدم والازدهار، وفق منظور اقتصادي متطور ورؤى علمية يضعها متخصصون وأصحاب خبرة وباع طويل في مجالات الحياة المختلفة. وبلدنا في أمسّ الحاجة إلى هذه الخبرات، فالفرص كبيرة، ويجب استثمارها والعمل والإبداع فيها؛ لنكون في مصاف الدول التي سبقتنا في هذه المجالات.

إلّا أن الإجراءات الفاعلة والمستمرة التي اتخذتها السلطة القضائية بعد «صولة الفجر» الميمونة كشفت خفايا كثيرة، وهتكت أستار الفساد، وعثرت على أموال وتحف نادرة وكنوز ثمينة مخبأة في أماكن ودهاليز لا يتصورها عقل الإنسان السوي. والمؤسف أن أبطال هذه القضايا هم بعض قادة المجتمع وساسة البلد ومن يشغلون درجات وظيفية عليا؛ إذ وضع الشعب ثقته بهم، وأودعتهم الحكومة أماناتها من أجل بناء بلدهم وخدمة شعبهم.

وما حَمَلَ الإنسانُ مثلَ أمانةٍ
أشقَّ عليه حينَ يحملُها حملًا

فإن أنتَ حُمِّلتَ الأمانةَ فاصطبرْ
عليها، فقد حُمِّلتَ من أمرِها ثِقلًا

لقد أثبت هؤلاء أن النفس الأمّارة بالسوء كانت بوصلتهم؛ فعصفت بتفكيرهم، وتسلّط عليهم هوس «الفرهود»، وعملوا وفق أهواء الشيطان الذي استحوذ على نفوسهم.

ونتيجة لذلك، أصاب المجتمعَ الخوفُ والقلقُ من المجهول، فأوامر القبض تُنفّذ، والمداهمات مستمرة، والترقب والتوجس يسيطران على المتورطين. وأصبح غير السوي يعيش حالة من الهستيريا؛ فعقله مشغول، وتفكيره مشلول، وحركته محدودة، ما انعكس سلبًا على عمله والعاملين معه. فلا جهد يُذكر ولا إنتاج يُرى، بل تراه دائم الهذيان، معدوم الرغبة في العمل.

لقد انشغل المجتمع بهذا الحدث المدوي الذي هزّ ساحة الاطمئنان وبدّد الشعور بالأمان. ومع ذلك، فالقانون لا يرحم، وتنفيذه واجب حتمي، والتعاون على تطبيقه والإرشاد إلى زوايا الفساد وخفايا المجرمين الذين جعلوا من ثروات بلادهم مطيّة لمآربهم ومصالحهم الأنانية واجب أخلاقي وديني ووطني.

إن ردود الفعل والانكماش والخوف تتصاعد بوتيرة مستمرة؛ لأن حلقات التحقيق ما زالت مفتوحة، وتنتظر اللحظة التي يقع فيها من تحوم حوله الشبهات، سواء أكانت أفعاله في الوقت الحاضر أم في الماضي. وسيأتي بهم القانون مرغمين جزاء ما اقترفته أيديهم من هدر للمال العام وفساد ممنهج وكسب غير مشروع.

وتعيش البلاد حالة استنفار قصوى، إذ نسمع يوميًا عن كشف شبكات فساد في مختلف محافظات العراق، باستثناء إقليم كردستان، تتعلق بالاستيلاء على الأراضي الزراعية، وتجريف البساتين، وتزوير السندات، والرشاوى والعمولات، فضلًا عن العقود والمشاريع الوهمية. إذن، القلق موجود والحساب قادم، وعلى كل من تلطخت يداه بالفساد أن يستعد؛ لأنها معركة وجود لا بدّ من خوضها.

أما عجلة الحياة في عراقنا الحبيب فقد أصابها الخمول، وتعطلت الحركة، وتبدد الطموح، باستثناء الموظف المخلص والنزيه الذي ظل عمله متميزًا. والمتضرر الأول من هذا المشهد هو المواطن؛ إذ تتعطل معاملته، ولا يجد من يسمع شكواه أو يعالج ما يعانيه.

إن الحكومة مدعوة إلى معالجة الخمول والشلل اللذين أصابا مؤسساتها، وأن تعمل بمسارين متوازيين: الأول يختص بالمحاسبة والمتابعة وتنفيذ قرارات القضاء، والثاني يعالج الشلل الإداري ويُفعّل حركة الدولة بما يضمن حقوق المجتمع، من إنجاز المعاملات والاستجابة للشكاوى وتنفيذ المشاريع والقيام بالواجبات التي رسمها القانون.

وينبغي ألّا تؤدي ملاحقة الفاسدين إلى استمرار الإهمال أو إبطاء تنفيذ البرنامج الإصلاحي الذي بدأته الحكومة في مجال البناء والإعمار. فهذه ليست معركة عادية، بل هي معركة وجود وتحدٍّ كبير، والاستعداد لها والدفاع عن البرنامج الحكومي ومواصلة السير في طريق الإصلاح عنوان للنجاح والإرادة.

إذا لم تكن ذئبًا على الأرض أجردا
كثيرَ الأذى، بالت عليك الثعالبُ

✦ كتابات في الميزان ✦
يضع المقال يده على مفارقة خطرة تتمثل في أن حملة مكافحة الفساد، على ضرورتها، أوجدت حالة من الخوف والجمود داخل بعض مؤسسات الدولة. ويدعو الكاتب إلى عدم الاكتفاء بملاحقة المتورطين، بل إلى حماية استمرار العمل وإنجاز معاملات المواطنين. فالإصلاح الحقيقي يقوم على مسارين متلازمين: محاسبة الفاسدين من جهة، ومنع تعطّل مؤسسات الدولة ومصالح الناس من جهة أخرى.

الدولة_الترهل.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!