كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

التسقيط الاجتماعي آفة تنخر كيان المجتمع الاسلامي

من الأمراض التي ابتُليت بها المجتمعات عموما ً ومجتمعنا العراقي خصوصا ً هو مرض تسقيط الآخرين من خلال تشويه السمعة وإيكال التهم والتقليل من المكانة الإجتماعية ونقل الفواحش وغيرها. وهذا المرض خطير وله آثار سلبية كفيلة بتدمير البنية الإجتماعية ، وهنا نود الإشارة الى مجموعة أمور مرتبطة بهذا الموضوع:

١. إن تسقيط الآخرين من أشد المحرمات في الشريعة الإسلامية التي توجب مقت الله وعذابه في الدنيا والآخرة وذهاب ايمان الإنسان كما في قوله تعالى (( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب ٌ أليم ٌ في الدنيا والآخرة )) وما روي عن رسول الله (ص) أنه نظر إلى الكعبة فقال: مرحبا بالبيت، ما أعظمك وأعظم حرمتك على الله ؟ ! والله للمؤمن أعظم حرمة منك لأن الله حرم منك واحدة ومن المؤمن ثلاثة: ماله، ودمه، وأن يظن به ظن السوء)) وقول الامام الصادق (ع) ((مَن روى على مؤمنٍ روايةً، يُريدُ بها شينَه وهدمَ مروءتِهِ ليسقطَ من أعينِ الناسِ، أخرجهُ اللهُ من ولايتِهِ إلى ولايةِ الشيطانِ، فلا يقبلُه الشيطانُ)) وقوله (ع) (( إذا اتهم المؤمن أخاه انماث الإيمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء)) .

٢. ان هذا المرض كفيل بتمزيق وحدة المجتمع لما يتركه من اثار سلبية كالكراهية والتقاطع والتشاجر والتعصب والتخندق التي تجعل منه اجزاء متناثرة ومتنازعة.

٣. ان تسقيط الآخرين سيزرع حالة من سوء الظن في النفوس حينما يرى البعض سقوط الكثير في أعينهم ممن كانوا يحسنون الظن بهم فينتقلون من حالة حسن الظن الى سوء الظن حتى بالشخصيات المستقيمة وتكون هي الحالة العامة والتي تخلق حالة من عدم الثقة بين أفراد المجتمع .

٤. ان أغلب ما يستند اليه التسقيط هو أخبار تنقل من أشخاص غير دقيقين او لديهم أجندات معينة وخصوصا ما يتداول عبر مواقع التواصل الإجتماعي ، فعلى المؤمن ان يكون دقيقا ً وحكيما ً ولا يستعجل اطلاق الاحكام ونقل الأخبار دون تروي وعدم استصغار هذا الفعل كونه مجرد حركات لسانية او كلمات تخرج من الأفواه كما جاء في قوله تعالى (( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ)).

٥. ان أحد أسباب التسقيط هو تخندق البعض على انتماءاتهم السياسية او الدينية او القومية او العشائرية وبالتالي فهم لا يتورعون عن تلفيق الاكاذيب وكيل التهم او تبنيها او نقلها لضرب المنتمين للجهات المقابلة واسقاطهم في عيون الناس، والغريب ان اختلاف الإنتماءات لا يستدعي التسقيط بل التنافس الشريف لاقناع الناس بمشاريعهم.

٦. ان أهم وسائل تغيير قناعات الناس هي وسائل الإعلام بكل تفاصيلها فينبغي ان يكون العاملون فيها موضوعيين وامناء على نقل المعلومات الدقيقة، ومن المؤسف ان الكثير من العاملين في هذا المجال غير متورعين ولا يبحثون عن الحقيقة بل عن كسب جمهور لبرامجهم او إسقاط شخصيات او جهات معينة لصالح جهات أخرى تدفع لهم اموال مقابل ذلك خصوصا وان الإعلام ذو تأثير كبير ويعدونه سلطة رابعة بل قد يكون سلطة أولى في الوقت الراهن وهذا أمر ملموس.

٧. ان الانسان ليس من تكليفه فضح الآخرين وإسقاطهم حتى يأتي البعض ليتصدى لذلك الفعل بدافع ديني ويعتقد انه يتقرب الى الله بذلك. بل العكس التوجيهات الواردة تأمرنا بالتأني وعدم الخوض في أعراض الناس وشؤونهم وعيوبهم والا سنكون من النادمين عاجلا ً او اجلا ً ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ))، وعليه فان من يشارك في اسقاط شخصية معينة في نظر الآخرين ثم يتبين له خلاف ذلك فعليه ان يعمل على تصحيح الصورة التي ساهم في تشويهها في اذهانهم ان أراد ان يتوب الى ربه من هذا الذنب العظيم ويبرئ ذمته. وهذه عملية معقدة وصعبة جدا ً، لذلك على المؤمن ان يتورع من البداية بأن لا ينقل أخبارا ً غير متأكد من صحتها لكي لا يوقع نفسه في المحظور.
٨. ان البعض يمارس عملية التسقيط للآخرين انطلاقا ً من عقدة نفسية كعقدة النقص والغيرة والحسد من خلال اسقاط الناجحين والتقليل من تميزهم لكي يغطي على فشله ونقصه ولا يشعر بأنهم افضل منه، وهذا ما يحتاج الى تهذيب للنفس على حب الآخرين وتمني الخير لهم وعدم التحسس من الفوارق الفردية والثقة بعطاء الله لعباده.

٩. ان بعض عمليات التسقيط تطال علماء الدين والمراجع وتقدح في اخلاقهم وعفتهم وعلمهم مما يشكك الناس فيهم ويصد عن اتباعهم والاستفادة منهم. فمن المؤسف ان الأمم تفتخر بعلمائها وتستفيد من افكارهم وطروحاتهم في حين اننا نجتهد في تسقيطهم وخذلانهم جهلا ً او حماقة ً.

١٠. ان هناك صراعا ً وتنافسا ً محموما ً بين جهات سياسية او دينية او إجتماعية من أجل حطام الدنيا وهم ينالون من بعضهم البعض بطرق شتى، فلماذا يجعل البعض نفسه وقودا ً لتلك الصراعات فيحرق نفسه في الدنيا لأجلهم ويحرق نفسه في الاخرة لسوء فعله، فيكون ممن يبيع اخرته بدنيا غيره، في حين تدعونا الروايات ان ننأى بانفسنا عن تلك الصراعات الباطلة التي تمثل فتنة للمؤمن ((كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهرا ً فيركب ولا ضرعا ً فيحلب)) لكن لو كان الصراع بين جبهة الحق وجبهة الباطل فعلى المؤمن ان لا ينأى بنفسه عن ذلك الصراع بل يكون حاضرا ً مؤديا ًدوره الرسالي في نصرة الحق وأهله.

١١. ان أعداء الإسلام يعملون على تفكيك بنية المجتمع الإسلامي وجعله مجتمعا ً عبثيا ً من خلال إلهاءه عن هدفه المنشود و إسقاط رموزه وتمزيق صفوفه بإحداث الفرقة بينهم. وأمضى سلاح لتحقيق ذلك هو نشر حالة التسقيط فيما بينهم، فهلا انتبهنا لذلك.

١٢. احيانا ً يكون من اللازم فضح بعض المخططات التخريبية التي تقف وراءها جهات او شخصيات معينة او فضح بعض الفاسدين والماكرين والمزيفين الذين يسرقون خيرات الامة ويخدعونهم ويضللونهم، وهذا لا يُعد تسقيطا ً بل نهيا ً عن المنكر وانقاذا ً للناس من هؤلاء الأشرار وتحذيرا ً من أفكارهم ومآربهم واعمالهم. فعلينا ان نفرق بين تسقيط المؤمنين وفضح الفاسدين وان لا تشتبه علينا الأمور من خلال وعينا وتمحيصنا.

١٣. علينا كذلك ان نفرق بين التسقيط والنقد. فاحيانا ً قد نحتاج ان ننقد واقع معين او ظاهرة او منهج او سلوك لجهة او شخصيات معينة وهذا أمر هام ينفع في تقويم العمل وتصحيح المسار. لكن المشكلة عندما يختلط الأمران على البعض، فقد تجد ان هناك من يُسَقط بدعوى أنه ناقد، وقد تجد من يعزف عن النقد مع امكانتيه بداعي انه لا يريد ان يُسَقط. فعلى الناقد ان يكون دقيقا ً ومطلعا ً ومنصفا ً وحريصا ً فيوجه نقده بحكمة وموضوعية بعيدا عن التسقيط، اي انه يسعى للبناء لا التهديم.

التشهير-على-وسائل-التواصل-الاجتماعي-750x375.png

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!