في الثمانين، لا يحتاج الإنسان إلى كثير من الأشياء كما كان يحتاج إليها في شبابه.
لا يحتاج إلى بيت كبير، ولا سيارة فاخرة، ولا حساب ممتلئ في البنك.
يحتاج فقط إلى يد تمتد إليه حين يتعب، وصوت يسأله بصدق: كيف أصبحت اليوم؟
صديقي الذي بلغ الثمانين أرمل، يعيش وحده في بيت كان يومًا عامرًا بالحياة، واليوم لم يبقَ فيه إلا صوته وخطواته وذكرياته.
أبناؤه كبروا وتزوجوا واستقرت حياتهم، وأصبح لكل واحد منهم بيته وعائلته ومسؤولياته. وهم يحبونه بلا شك؛ يزورونه يومًا في منتصف الأسبوع، ويدعونه إلى العشاء في نهايته، ويتصلون به من حين إلى آخر.
كلما جلست معه، أشعر أن ثمة شيئًا لا تكشفه تلك الزيارات.
وكلما سألته عن حاله، يبتسم ويقول:
«أنا بخير».
لكنني أعرف أن كلمة «بخير»، عند رجل في الثمانين، قد تخفي وراءها أشياء كثيرة.
ها هو اليوم يحتاج إلى من يمسك بيده، لكنه لا يدع أحدًا يرى تلك الحاجة؛ لأنه لا يطلبها.
الآباء لا يحتاجون إلى الحب اللفظي فحسب، بل يحتاجون إلى أن يتحول الحب إلى أفعال.
لا يكفي أن نقول: «أبوي غالي».
يجب أن نعرف: ماذا أكل؟ وهل استحم؟ وهل تناول دواءه؟ وهل يستطيع تنظيف بيته؟ وهل ملابسه نظيفة؟ وهل نام جيدًا؟ وهل هناك شيء يؤلمه ولا يريد أن يخبرنا به؟
هو لا يحتاج إلى أن يراه أبناؤه فحسب، بل يحتاج إلى أن ينتبهوا إليه.
هناك فرق كبير بين أن تسأل أباك:
«بدك إشي يا بوي؟»
وبين أن تعرف بنفسك ما الذي يحتاج إليه.
صديقي لا يخبرهم؛ كيلا يثقل عليهم.
لا يقول إنه تعب.
ولا يقول إنه لم يأكل.
ولا يقول إن الغسيل تراكم.
ولا يقول إن تنظيف البيت أصبح مرهقًا.
ولا يقول إن الذهاب إلى الطبيب وحده صار أمرًا يخيفه أحيانًا.
يمضي أيامه بالطريقة نفسها التي يمضي بها رجل اعتاد أن يعتمد على نفسه طوال حياته، لكن نفسه اليوم بدأت تتعب.
أبوك لا يحتاج إلى أن تعيش معه طوال الوقت، ولا يحتاج إلى أن تتخلى عن حياتك من أجله.
لكنه يحتاج إلى أن يشعر بأنه ما زال داخل حياتك، لا على هامشها.
أن تزوره لأنك اشتقت إليه، لا لأن اليوم هو موعد الزيارة.
أن تجلس معه أمام فنجان قهوة، وتترك الوقت يمر ببطء.
البر ليس زيارة محددة في الأسبوع، ولا دعوة إلى العشاء في نهايته.
البر أن تنتبه.
أن ترى ما لا يُقال.
أن تسأل قبل أن يطلب.
أن تقترب قبل أن يشعر بأنه وحيد.
أبوك لا يقول لك: «اجلس معي»، لكنه يتمنى أن تجلس.
لا يقول: «رافقني إلى الطبيب»، لكنه يفرح حين تذهب معه.
قد لا يقول شيئًا، لكنه يشعر بالأمان حين يجد من يهتم بتفاصيل حياته الصغيرة.
لا يقول: «أنا وحيد»؛ لأن الاعتراف بالوحدة، بالنسبة إلى رجل قضى عمره قويًا، قد يكون أصعب من الوحدة نفسها.
سيأتي يوم لن تجده في ذلك البيت.
سيبقى الكرسي في مكانه.
وقد تبقى بعض ملابسه.
وقد يبقى فنجان قهوته.
لكن صوته لن يكون هناك.
وحينها لن يكون السؤال: كم مرة زرناه؟
بل ربما سيكون السؤال الأكثر قسوة:
هل كان يعرف، وهو يعيش وحده، أنه كان محبوبًا؟
كلما جلست مع صديقي، لا أسأله كثيرًا عن الأشياء الكبيرة.
أسأله عن يومه.
عن طعامه.
عن نومه.
عن صحته.
وأحاول أن أكون معه في التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو لنا عابرة، لكنها بالنسبة إلى رجل يعيش وحده قد تعني الكثير.
وأفكر دائمًا:
لعل هذا هو أقل ما يستحقه أب في الثمانين؛ ألّا يضطر إلى أن يعيش وحيدًا، وأن ينام كل ليلة مطمئنًا إلى أن هناك من يراه، ومن يسمعه، ومن يسأل عنه، ومن يقول له دون مناسبة:
«يا صديقي... أنت لست وحدك».


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!