كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الدينار والدولار: قصة الارتباط الوشيج وصراع السيادة المالية

 يرتبط الدينار العراقي بعلاقة تاريخية وهيكلية عميقة مع الدولار الأمريكي، إذ تشكل هذه العلاقة العصب المغذي للاقتصاد العراقي الريعي. وفي السطور التالية نستعرض بحثًا حول جذور هاتين العملتين، وأسرار ارتباطهما، والمحاولات التاريخية للإفلات من هذه العلاقة.

 أولًا: قصة الدولار والذهب.. من التغطية الكاملة إلى «صدمة نيكسون»

قبل أن يصبح الدولار عملة ورقية غير مغطاة، مر بمحطتين تاريخيتين حددتا قيمته الذهبية:

 نظام بريتون وودز (1944)

في نهاية الحرب العالمية الثانية، اجتمعت 44 دولة في «بريتون وودز»، واتفقت على نظام نقدي جديد.

وبموجبه، رُبطت عملات الدول المشاركة بالدولار الأمريكي، بينما التزمت الولايات المتحدة بربط الدولار بالذهب بصورة صارمة وثابتة، إذ تعهدت بتبديل كل 35 دولارًا أمريكيًا بأونصة واحدة من الذهب الخالص للبنوك المركزية الأجنبية.

أصبح الدولار حينها «بمثابة الذهب»، ونال ثقة العالم.

  معضلة تريفين

لكي ينمو الاقتصاد العالمي، توجب على أمريكا ضخ مليارات الدولارات إلى الخارج لتمويل التجارة الدولية، مما تسبب في وجود دولارات خارج الولايات المتحدة تفوق بكثير حجم الاحتياطي الفعلي من الذهب الموجود في الخزائن الأمريكية، ولا سيما في «فورت نوكس».

  كيف انتهت قيمة الدولار الذهبية؟

 صدمة نيكسون عام 1971

مع زيادة الإنفاق الأمريكي على حرب فيتنام وتصاعد التضخم، بدأت دول مثل فرنسا وألمانيا تشك في قدرة أمريكا على الوفاء بوعدها الذهبي.

وطالبت فرنسا رسميًا باستبدال دولاراتها بالذهب وشحنه بحرًا. ولتفادي نفاد مخزون الذهب الأمريكي، خرج الرئيس ريتشارد نيكسون، في 15 أغسطس 1971، بإعلان تاريخي أحادي الجانب يقضي بتعليق تحويل الدولار إلى ذهب بصورة مؤقتة، لكن هذا الباب لم يُفتح مجددًا قط.

وتحول الدولار منذ ذلك اليوم إلى عملة قانونية تعتمد قيمتها على قوة الاقتصاد الأمريكي والثقة به، وليس على الذهب.

 ثانيًا: تجارب عالمية للتخلص من هيمنة عملة دولة أخرى

لم تقتصر محاولات التخلص من الهيمنة على القذافي وصدام حسين، بل سجل التاريخ تجارب جماعية وفردية بارزة:

  التجربة الأوروبية وتأسيس اليورو عام 1999

تُعدّ أنجح تجربة جماعية في التاريخ الحديث. فقد سئمت الدول الأوروبية تقلبات الدولار وهيمنته على تجارتها البينية والاعتماد التام على السياسات النقدية لواشنطن، فقررت دمج عملاتها المحلية، مثل المارك الألماني والفرنك الفرنسي، في عملة موحدة هي اليورو؛ لإنشاء قطب مالي موازن يكسر أحادية الدولار.

  رابطة الدول المستقلة (CIS–2026)

اتخذت 11 دولة من دول الاتحاد السوفيتي السابق قرارًا جماعيًا بحظر استخدام الدولار الأمريكي في العمليات والتسويات البينية المشتركة.

وتهدف هذه الخطوة إلى تنشيط العملات المحلية وتقليل الانكشاف على العقوبات الغربية بعد أحداث عام 2022.

 الصين وسياسة «التدويل التدريجي لليوان»

لا تصطدم الصين بالدولار بصورة مباشرة، بل تتبع استراتيجية بناء نظام موازٍ. وبحلول عامي 2025 و2026، ارتفعت حصة التجارة السلعية الصينية التي تُسوّى باليوان إلى نحو 28%، مقارنة بـ12% فقط عام 2018.

كما عقدت بكين اتفاقيات «تبادل عملات ثنائية» (Currency Swap) مع أكثر من 30 بنكًا مركزيًا حول العالم؛ للالتفاف على نظام المقاصة الأمريكي.

  دول أمريكا اللاتينية ومشروع عملة «سور–Sur»

حاولت البرازيل والأرجنتين إطلاق مشروع عملة مشتركة للتجارة البينية تسمى «سور»، أي الجنوب، بهدف تقليص الاعتماد على الدولار في القارة اللاتينية، غير أن الأزمات الاقتصادية الداخلية في الأرجنتين أبطأت وتيرة هذا المشروع.

  ثالثًا: تدقيق المعلومات الفنية المتعلقة بالحالة العراقية

 التوثيق التاريخي لأصل العملات

تشير المصادر المتخصصة في علم المسكوكات وتاريخ النقد إلى أن أصل تسمية الدينار يعود إلى العملة الفضية الرومانية القديمة «ديناريوس»، التي جرى تعريب اسمها لاحقًا في العصر الأموي، مما يمنح التسمية امتدادًا تاريخيًا موثقًا.

  التحول التاريخي للدينار العراقي عام 1959

أكدت الوثائق الرسمية للبنك المركزي العراقي أن قرار فك ارتباط الدينار بالجنيه الإسترليني والتحول نحو الدولار الأمريكي جرى رسميًا بموجب القانون رقم 92 لسنة 1959، في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم.

وجاء هذا القرار خطوةً سيادية تهدف إلى إخراج العراق من كتلة الإسترليني وتأسيس غطاء نقدي مستقل ومتنوع، يحمي العملة الوطنية في بيئة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

 واقع هيمنة الدولار الحالية

وفقًا لأحدث تقارير صندوق النقد الدولي ومجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، لا يزال الدولار الأمريكي يحتفظ بحصة الأسد في الاحتياطيات النقدية العالمية والمدفوعات الدولية عبر نظام «سويفت».

وعلى الرغم من الصعود التدريجي لعملات أخرى، وتنامي التبادل بالعملات المحلية في بعض الأقاليم، فإن تفوق الدولار الهيكلي يظل العامل الأساسي الحاكم للاقتصادات الريعية النفطية، ومنها الاقتصاد العراقي.

إن محاولات فك الارتباط بالعملات المهيمنة، وعلى رأسها الدولار، كانت تنجح تاريخيًا عندما تكون مدعومة باقتصاد إنتاجي ضخم ومتكامل، مثل التجربة الأوروبية أو التجربة الصينية الحالية.

بينما تفشل هذه المحاولات وتتحول إلى مخاطرة سياسية مدمرة عندما تتبناها اقتصادات ريعية أحادية الجانب، تعتمد على تصدير مادة خام مسعّرة عالميًا بالعملة نفسها المراد محاربتها، مثل تجربتي العراق وليبيا السابقتين.

❖ كتابات في الميزان ❖

يتتبع المقال التحولات التي نقلت الدولار من الارتباط بالذهب إلى الهيمنة على النظام النقدي العالمي، ثم يربطها بواقع الاقتصاد العراقي المعتمد على عوائد النفط. ويخلص إلى أن السيادة النقدية لا تتحقق بقرار سياسي منفرد، بل تحتاج إلى اقتصاد إنتاجي قادر على حماية العملة الوطنية. وتكمن أهمية الطرح في انتقاله من تاريخ الدولار إلى السؤال العراقي، مع حاجة بعض الأرقام والوقائع إلى توثيق رسمي أدق.

سعر_صرف_الدولار.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!