يؤسفني أن أتطرق إلى مثل هذا الموضوع؛ لأن حقيقته مُرّة وصعبة على كل عراقي شريف يحب بلده، لكن هذا السؤال لا بدّ منه، ويكون موجّهًا إلى الحكومة العراقية حصرًا. قد يظهر إعلامي هنا ومحلل هناك، ليدلو كل منهما بدلوه ويعبّر عن رأيه أو تحليله، وهذا لا يساوي عفطة عنز إن لم يكن مقرونًا بأدوات على أرض الواقع، و«ملكًا صرفًا» للحكومة العراقية.
متى يقف الطرف الآخر، سواء أكان من العرب أم إيران أم تركيا أم أمريكا، وحتى الكيان الصهيوني، عند حدوده في مواقف معينة تخص العراق، خوفًا من ردّة فعل الحكومة العراقية؟ بكل أسف، لا يوجد شيء إطلاقًا.
صلاحيات الحكومة العراقية لا تتجاوز الشارع العراقي، وفي مجالات معينة، مثل الرئيس الأمريكي؛ فصلاحياته تتعلق بالقرارات المحلية، أما في السياسة الخارجية فهو دمية «قرقوز»، يؤدي ما أُملي عليه قبل الترشيح، وما تعهّد به عند الفوز، ولا سيما في السياسة الخارجية: الحروب، والمؤامرات، والاغتيالات، والحصار. أما غير ذلك فلا يُسمح له، وما يخص الحروب ليس من صلاحياته.
أعود إلى بلدي، وعندما أراجع ما جرى في المنطقة أجد أن العراق هو المعبر، ولا أريد أن أقول كلمة قاسية بحقه، لكنه المعبر لقصف الجار. فمن سماء العراق انطلقت القذائف التي استُشهد بسببها قادة إيران، أما ما أصاب أطفال ميناب فكان من الخليج، وكذلك جرى قصف اليمن من قبل الكيان عبر الأجواء العراقية.
هل يستطيع العراق إيقاف تصدير النفط إلى الأردن، أو لنقل إلى الدول التي تتعامل مع الكيان الصهيوني؟ لا يستطيع لسببين: الأول، إن فعلها تأتي المؤامرة من الخارج لتوقف صاحب القرار عند حدوده؛ والثاني، إن فعلها، فهذا يعني الإفلاس وعدم دفع الرواتب.
هل تستطيع الحكومة العراقية أن تأخذ حق عراقي اعتُدي عليه في الخارج؟ لا أعتقد أن هذا السؤال معقول. فبالأمس القريب كانت الكويت ترتجف من العراق، منذ عبد الكريم قاسم وحتى سقوط الطاغية، لكنها تجرأت على أرض العراق وسمائه ومياهه وشعبه. فماذا اتخذت الحكومة من قرار انطلاقًا من موطن قوتها الذي يرتعش منه الآخر؟ فلنبتعد عن ذلك ونسأل: ما مرتبة جواز السفر العراقي؟
على الصعيد الاقتصادي، هل توجد صناعات مهمة يصدّرها العراق ويكون السوق العالمي بأمسّ الحاجة إليها، حتى تكون مصدر قوة في بورصة الأوراق المالية الخاصة بتلك الصناعات؟ كلا، مع الأسف.
وعلى صعيد القوة العسكرية، هل لدى العراق جيش يخشاه الكيان الصهيوني؟ لا أريد أن أذكر مواجع صفقات الأسلحة التي عقدتها حكومتنا ورفضتها أمريكا، أما التي وافقت عليها فليست سوى طائرات «إف-16» أشبه بالخردة، مع تدريب الطيار العراقي، حسب المحاصصة، ليُقلع بها ويفرّ ويهبط فقط! حتى إنني سمعت أن للطائرات رمزًا سريًا لدى الأمريكيين فقط، وأن قطع غيارها وعتادها أيضًا عند الأمريكيين، وهيهات للعراق أن يستخدمها. فهل تُعدّ نقطة قوة؟
على أرض الواقع، نقطة القوة الوحيدة في العراق هي الجهة التي ترتدي القرار الأمريكي كالجوراب، وتضع قدمها في الحذاء. ونقطة القوة في العراق، التي ظهرت للعلن بوصفها قوة عسكرية وسياسية، هي فتوى الجهاد الكفائي.
إنها نقطة النقاش الوحيدة مع الأمريكيين، بل واقعًا ليست نقاشًا، وإنما هي ما تريد أمريكا فرضه على العراق. ولأن الحكومة العراقية لا تملك إرادة على هؤلاء الأشاوس، يبقى العراق في محنة بين سوء سياسة الحكومة العراقية وعدم مؤازرة المقاومة العراقية في اتخاذ قرارها بضرب العدو أينما كان الكيان معتديًا، سواء في إيران أم لبنان أم فلسطين.
ختامًا، أنا لست متشائمًا، لكنني لا أرى أي خير من هذه الحكومة التي أجهلها تمامًا. غير أنني أتابع مأساتنا في الشارع العراقي، حيث بدأت الخدمات التي يُفترض أن تقدمها الدولة إلى المواطن تنحدر إلى ما تحت الصفر.
وأتمنى أن أكون على خطأ.
❖ كتابات في الميزان ❖
يطرح المقال سؤالًا جوهريًا عن عناصر القوة التي تملكها الدولة العراقية وقدرتها على تحويل إمكاناتها إلى قرار سيادي مؤثر. ويرى الكاتب أن الاعتماد شبه الكامل على النفط، وضعف الصناعة والقدرات العسكرية واستقلال القرار الخارجي، جعل العراق عاجزًا عن ردع التدخلات. ورغم النبرة المتشائمة، ينتهي المقال بأمنية تكشف أن غايته التحذير والدعوة إلى بناء دولة تمتلك أدوات القوة الفعلية.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!