صفحة الكاتب : مهيب الاعرجي

حكمة المرجعية   ..  مقاربة مع المنظور النفسي
مهيب الاعرجي

المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.

خاص : كتابات في الميزان  

يتلخص موضوع هذا البحث المختزل في محاولة لقراءة الحكمة في مواقف المرجعية وفق النظرية النفسية .وذلك بتحديد اهم سمات الشخصية الحكيمة للمرجعية عن طريق رصد السلوكيات الذكية التي صدرت منها ,او التي عُرفت بها ,خلال خضم الاحداث الحرجة, ويتم عرض تلك السلوكيات على سلسلة من النظريات التي حفلت بها الادبيات النفسية التي فسرت الحكمة .

     ويبتني هذا المنهج على حقيقة انه ثمة ترابط وثيق بين سمات شخصية الفرد وسلوكه في المواقف الحياتية , فكلما كان مستوى السلوك ناضجا ومتوازنا كلما كشف عن مرحلة تطورية في الحياة العقلية والنفسية التي يعيشها ذلك الفرد. ويرتفع منسوب مؤشر السلوك على نمو البيئة النفسية والعقلية كلما ازداد ثبات وتوازن السلوك في الموقف الحياتي التي تتصف  بالصعوبة والحراجة والغموض, لان مستوى السلوك الذي يبديه الفرد يعتمد على مستويات واساليب عقلية ونفسية وروحية عليا .
    ان هذه البيئة النفسية المتطورة هي ما يطلق عليه المنظرون النفسيون بالحكمة( wisdom )  فالحكمة هي حالة متطورة من التوازن في شخصية الانسان تتفاعل في تكوينها قدرات عقلية ونفسية عليا , كالذكاء المرتفع والمستويات عالية الرتبة من التفكير والتأمل وحل المشكلات, واصدار الاحكام بصوابية فائقة ,والادارة الانفعالية, ومنظومة من القيم المرتكز في صميم النفس, ومعرفة واسعة بالحقائق وبتطبيقها , تتمثل تلك القدرات على شكل سلوك حكيم ومتطور في المواقف المختلفة, سيما الحرجة منها. وعلى هذا الاساس فالحكمة هي قدرة القدرات, وهي النهاية العليا التي تصل اليها الشخصية الانسانية وفق التنظيرات السايكولوجية الحديثة . 
      ولقد اثبتت السلوكيات الذكية التي صدرت خلال خضم الاحداث والتداعيات التي حفلت بها الساحة العراقية , شخصية (المرجعية الحكيمة ) , شخصية تميزت بالهدوء والتأثير , شخصية خبيرة كأنها جاءت من وراء الزمن وهي تحمل كل خبرات التاريخ وتطلعات الحضارة , وتتكلم كأنها عالم بأسره ,شخصية لها هيبة الدهر , وسليقة العظماء وتتفرس في داخله منطقية ارسطية وحكمة فارابية وتفكير انشتاين , قد هضم الحياة بما تملك من تعقيدات وعرف الزمان . 
   ولم يكن في حسبان الكثير من شخصيات العالم ان يكون لشيخ ناحل الجسم لا وفرة له من هذه الدنيا ان يكون له هذا الزخم الكبير من الحضور الفاعل, وهذا ما صرحت به جريدة التايمز البريطانية حيث قالت " ان الحكومة الامريكية لم تلق بالا في البداية (للسيد السيستاني ) ولكنها اكتشفت – وكما يقول المراقبون – ان هذا الرجل قوة لا يستهان بها " ( الفاضلي : 2013,280 ) . وذكرت بعض الصحف الامريكية "ان السيستاني قد علم بوش الديمقراطية" .فعندما اذعن العالم بما لتلك المرجعية من وقع وحكمة , اتجه بشخصياته واعلامه وصحفه الى زقاق بيته الضيق ليأذن اولا يأذن لهم بالدخول , ولقد تزاحمت على بابه شخصيات الامم المتحدة والمسؤولون الكبار ليسمعوا منه وليوجه لهم البوصلة , واستعان توسلا (بريمر) وسابقه ليلتقوا بذلك المرجع فلم يأذن لهم , وتوافدت الصحف والوكالات العالمية على بابه كالواشنطن بوست ووكالة اسوشيتد برس ومجلة بولندا الاسبوعية ونوفيل اوبزرفاتر الفرنسية والوكالات اليابانية والبولندية وغيرها ,ليكرس التاريخ اسئلتها له واجاباته عليها ... .
     ماهي اسرار هذه الشخصية ؟ ولماذا تتصف بترقب ذكي لتخرج في الوقت المناسب لتغير بوصلة الاحداث ؟ ومن اين تأتى لهذه الشخصية كل هذه الخبرات الواسعة في الحياة ؟! ما سر تلك الصلابة التي تنطوي عليها شخصيته ؟! هذا ما سيسلط البحث الضوء عليه ويجيب عن بعض تساؤلاته.
     ويتمحور البحث بذكر ثلاث سمات للحكمة لدى شخصية المرجعية وهي اولا: المعرفة والخبرة الواسعة في امور الحياة . وثانيا: الموازنة القيمية . وثالثا: صوابية الرأي في المواقف الصعبة والغامضة 
          
السمة الاولى :المعرفة والخبرة الواسعة في امور الحياة :
     ان التجربة العملية اثبتت ان المرجعية الدينية تمتلك المعرفة والخبرة في الامور الاجتماعية والنفسية والقانونية والقيمية والتاريخية والحضارية  ... ,وتمكنت بواسطة تلك (المعرفة والخبرة) من ادارة الازمات وحل المشكلات المختلفة التي تخيم بين الحين والاخر على مسرح الحياة . ان شخصية السيد تتمتع ببصيرة نافذة في الامور ، فهو يملك رؤية واضحة فيما يقدمه من مشورة ونصح ,وفي كل السلوكيات التي شهدناها كان عنصر البصيرة والوضوح يتجلى في تعاطيه مع الامور ، وحتى في ابسط القضايا كان يمتلك مبدئا مستنيرا قائما على فهم للطبيعة البشرية ولطبيعة الاحداث ولكيفية التعاطي معها, ويمتلك رؤية عن الدولة وعن الحياة وعن الاشخاص وعن نفسه ,وه يعرف تماما من يستقبل في مجلسه ومن لا يستقبل ومن يوافق به ومن لا يوافق به, وهل يستنكر حدثا معينا ام لا ؟ ويعرف متى يقول نعم ومتى يقول لا, ويملك رؤية خاصة تأطر اسلوب الحياة عنده, ويملك رؤية واضحة لكل المواقف, ويختزلها بكلمات قصيرة مفهومة وواضحة.  كل تلك الرؤى والمبادئ عند ( المرجعية الحكيمة) متشربة بالقيم والمثل الانسانية والاسلامية . 
     ولو تمعنا في ما صدر عنه بخصوص انهاء الاحتلال الاجنبي في العراق كان يرى  "ضرورة ان يبنى اي اتفاق يستهدف انهاء الوجود الاجنبي في العراق واخراج البلد من تحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة على اساس امرين : اولا رعاية المصالح العليا للشعب العراقي في حاضره ومستقبله ، وتتمثل بالدرجة الاساس في استعادة سيادته الكاملة وتحقيق امنه واستقراره . وثانيا: حصول التوافق الوطني عليه ، بأن ينال تأييد مختلف مكونات الشعب العراقي وقواه السياسية الرئيسية ..." ( الخفاف : 2013,224 ). ان هذا المنطق الذي يحدد الملامح  العامة لخروج الاحتلال بكل دقة ويصوغ المناخ الذي لابد ان يسود البلد بعد خروجه ,وطبيعة التوافق بين القوى السياسية , يتسم بالنضوج والمعرفة الخبيرة بالوضع الامني والسياسي ويمتلك فهما تاما لحيثيات المواقف والوضع والسياقات القانونية , وكأنه يخرج من فم شخص خبر السياسة والقوانين وعاش تجاربها . كما لو تمعنا فيما  بعض اجابات مكتبه على  مجلة ( فور سايت) اليابانية عن رأي المرجعية في الشعب الياباني حيث قال  " الشعب الياباني قدم نموذجا رائعا في التغلب على ما خلفته الحرب العالمية الثانية واستطاع ان يحقق تقدما علميا واقتصاديا مذهلا خلال عدة عقود ، نتمنى ان تتاح فرصة مماثلة للشعب العراقي في الرقي والتقدم بمساعدة الشعب الياباني " ( الخفاف : 167 , 2013,) . لقد كان لتنوع المشكلات مدلول يكشف عن تنوع المعرفة والخبرة في شؤون الحياة فالمرجعية لم تتصد للموقف الفقهي بشكل ناضج فحسب بل تصدت بشكل ناضج للموقف السياسي والاقتصادي والتربوي والاجتماعي والاسري وكل المستجدات التي تطرأ على الساحة وذلك الامر يكشف ان الرجعية تمتلك منظومة ذات ابعاد متنوعة استوعبت حقولا متنوعة في مجالات الحياة. 
         ان هذا المنطق المستنير والرؤية الواضحة تحتاج الى عنصرين اساسين في بلورتها وجعلها واقعا متجسدا في الشخصية الحكيمة ويصدر منها بلا تكلف وبشكل طبيعي .  
   العنصر الاول: هو المعرفة الوافرة بحقائق الحياة وبالطبيعة الانسانية والطبيعة الاجتماعية وبالتقلبات التاريخية والسنن التي تحكمها والاحاطة الذكية بالتجارب الشخصية والنوعية.
  العنصر الثاني : المعرفة الاجرائية لتلك المنظومة من الافكار والحقائق والتجارب , بمعنى ان الفعل القائم على اساس المعرفة والخبرة يحتاج الى استراتيجيات واساليب متعددة ليكون عملا متزنا وحكيما على ارض الواقع فهو يحتاج الى التخطيط بمرونة , والى ادراك الاهداف والغايات, واصدار القرارات , وادارة الانفعالات, وايجاد التوازن بين المعرفة والدوافع والانفعالات , واسداء النصيحة التي تسهم بشكل فعال في حل المشكلات .
     لقد ادركت النظريات العلمية ان المعرفة بالحقائق والعلم بها لا يكفي لان يؤهل الفرد كي يكون حكيما ومطبقا لأفكاره ومعرفته على ارض الواقع بدقة وصوابية عالية , بل يحتاج الى سلسلة من الاجراءات المتطورة لكي يتخذ الموقف السليم المطابق لمقتضى الواقع في الوقت والمكان المناسبين .
    ان اهم المحكات التي حددتها  نظرية برلين للحكمة  (The Berlin Theory of Wisdom ,1989)   في " معهد ماكس بلانك  الالماني " هو ان يكون الحكيم جامعا لهذين العنصرين (معرفة الحقائق (Factual knowledge، و(المعرفة الاجرائية الواسعة Broad procedural knowledge ) واعتبرهما من المكونات الاساسية للنماذج العامة للمعرفة الخبيرة Essential components of general models of expert knowledge التي تفرز الحكمة , كما واعتبرهما كل من (بالتس وسمث )معيارين اساسين لقياس الحكمة عند الفرد , وان هذين المعيارين يحددان خصائص التنظيم المتطور للمعرفة في الاداء القائم على الحكمة  
(Pasupathi&Staudinger,2001:312)                                                 
    فالمعرفة بالحقائق وتطبيقها وفقا لأساليب مبتكرة (العنصران السابقان) عند الفرد الحكيم تبتني على قدرات عقلية عليا , وحالة من السيطرة الانفعالية , واسلوب حياة يتميز بالغنى بالمعرفة والتجارب , وهذه المقومات الثلاثة وغيرها -التي حددتها بعض الادبيات النفسية- تكاد تتشبع شخصية ( المرجعية الحكيمة ) بها, فالقدرات العقلية العليا التي جعلت منه مرجعا كبيرا لاستنباط الاحكام الشرعية بشكل يكاد يصفق الخبراء على كونه الشخص الاعلم في هذا الميدان , الذي يعد مؤشرا على كونه يحمل منسوبا عاليا من القدرات العقلية العليا كالذكاء المرتفع والتفكير عالي الرتبة واصدار القرارات.
          ان البحوث العالية في الدراسات الحوزوية تتميز بالمستوى المتطور من التفكير الجدلي والذي يقوم على اساس تفكير تجريدي  من نوع مميز, يحاكم  الآراء, ويحدد الفروض , ويستوضح جوانب القوة او الخلل في المسائل التي يُراد من المرجع ان يحدد الموقف الفقهي النهائي فيها , ولا اكاد اغالي ان قلت ان حياة المرجعية في اليوم الطبيعي الذي يمر علينا هو هذا النوع من التفكير التجريدي ( وانواع اخرى من التفكير كالتفكير الناقد والابداعي والاستدلالي والاستنباطي ... )الى ان تحول هذا اللون من التفكير الى جزء من وجوده وكيانه . 
      لقد ربطت الكثير من الادبيات النفسية في دراسة الحكمة بين الحكمة وحالة التأمل والتفكير وبالخصوص التفكير الجدلي ( الفلسفي ) وتشير "آردلت" (Ardelt,2000) إلى أن التفكير الجدلي يعد متطلباً ضرورياً للحكمة بوصفه مجالا من مجالات المكون الإدراكي الذي يمثل أحد المكونات والأبعاد الثلاثة للحكمة (Ardelt,2000:778). واكدت دراسة "هنا واوتنز" (Hanna&Ottens,1995)، أن تمركز الحكمة حول التفكير الجدلي والقدرات ما وراء الإدراكية يعد أساساً في اختبار المعاني ، ونظم المعتقدات، فضلاً عن أن التفكير الجدلي هو حالة مفاهيمية متعددة للحكمة  (Hanna,Ottens,1995:214) .
    اما اسلوب الحياة التي تعيش فيها ( المرجعية الحكيمة ) فقد قدر لها ان تكون قائمة على العلم والمعرفة والتفكير , فهو يعيش في بيئة النجف التي ترسم العلم منهج حياة عند طلابها  , فهي تغرس في وعي الطالب ومنذ بواكيره الاولى ( مرحلة المقدمات) انه احترف العلم طيلة حياته, فيستجيب الطالب بشكل لاشعوري انه قد كرس ايام عمره للعلم وليس امامه الا الجد والاجتهاد .
   اما السيطرة الانفعالية فقد لاحظنا – خلال السنين التي مرت- ان شخصية ( المرجعية الحكيمة ) تتمتع بسيطرة منقطعة النظير في الاقوال وفي ردود الفعل وفي التعامل مع التحديات الكبيرة التي كان يواجهها . ان ضبط العواطف والاحاسيس   الانسانية ليس امرا هينا , ( وما يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم ) فهي ترتبط بحالة من تربية النفس تربية عالية الى درجة يتوفر بها الفرد على حالة سيطرة على تطلعاته واهواءه , ومن هنا جاءت الدراسات النفسي لتعتبر ان جوهر الحكمة يقوم على اساس السيطرة الانفعالية فقد اعطت دراسة "آردلت" (Ardelt,2000) موازنة بين  جانبين للتحكم بالذات، تضمن الجانب الأول بقدرة الفرد على التحكم بالعالم الداخلي لديه ,بمعنى أن الحكيم بصفته متحكماً بذاته فإنه يسعى للتحرر من سيطرة المخاوف، والاندفاعات، والأهواء،والرغبات الداخلية والخارجية، أما الجانب الثاني فتضمن قدرة الفرد على التحكم بالعالم الخارجي المحيط به ، وقدرته على تقبل الواقع مثلما هو، وهذا هو جوهر الحكمة (Ardelt,2000:776-777). 

 السمة الثانية : الموازنة القيمية في الشخصية 
    ويراد منها قابلية الفرد الحكيم لأيجاد حالة من التوازن بين متطلباته كأنسان وبين متطلبات الصالح العام على اساس المثل والقيم , او هو مقدار ما يقدمه الفرد من وجوده الى القضايا التي ترتبط بالمصالح العامة وفق معايير قيمية دينية او انسانية . ان (المرجعية الحكيمة ) تجلت بهذه السمة بنحو يصل الى حد الدهشة فلو سلوكيات المرجعية سواء على مستوى الدائرة الخاصة التي تتصل بطبيعة العيش او على مستوى الدائرة العامة التي تمثلت على شكل مواقف او نصوص صادرة من مكتبه نجد ان تقديم الصالح العام متجليا بأعلى صوره ,فمثلا في الرحلة العلاجية نجده يرفض كل العروض التي كانت تتسابق لتوفير النقل له او دفع اجرة او ركوب واسطة طيران تحسب على امير لدولة معينة او حتى التميز عن حال الناس العاديين ويرفض حتى حالة الاستقبال الرسمي والشعبي بالدول التي تم مروره بها ذهابا وايابا ( ينظر كتاب الرحلة العلاجية , الخفاف ,2012 ) ويرسل مكتبه الخاص رسالة الى محافظ الديوانية يأمره بتغيير اسم مدرسة سميت باسم ( مدرسة الامام السيستاني )  وارجاع اسم ( مدرسة حلب ) معللا ذلك بأن السيد "يرفض هذا الامر رفضا قاطعا " ( الخفاف : 2013, , 183) وقد عُرف عن ( المرجعية الحكيمة ) انها لا تحب حالة البهرجة والاعلام ورفع الصور ونحو هذه الامور.
    كل ذلك( التحفظ الذكي ) ينطلق من فلسفة قيمية خاصة ترتبط باسلوب الحياة القائم على اساس ترويض الذات وبالمسؤولية النوعية والعامة التي ترتبط بعنوان المرجعية والصالح العام , ف(السيد) لم يكن يهتم بشيء ومهما كان لونه اذا اصطدم مع تلك الامانة او بالصالح العام, فهو لم يكن يراعي حتى لحياته امام الاحداث الخطيرة التي حفلت بها النجف عندما اراد العودة لها رغم التحذيرات الكثيرة التي وردت من خطورة رجوعه في تلك الظروف الحرجة فعلل ذلك ولده بأن ( كرامة المرجعية أهم من حياة المرجع ) ( الخفاف : 2012,107 ) .
     ان تلك الموازنة القيمية التي كانت تشكل مبدئا اساسيا في سلوك ( المرجعية الحكيمة ) ولم تكن لتغيب لحظة من الزمن عن مفردات سلوكها , تعني ان الحكمة وصلت في شخصيته الى حد يفوق تنظيرات المنظرين في الادبيات النفسية ,لقد اكد ستيرنبيرغ في نظريته عن الحكمة المعروفة ب"نظرية التوازن لستيرنبيرغ Balance Theory of Sternberg)" ) ان القيم هي المُؤمِن الوحيد لضمانة ايجاد الموازنة بين مصالح ذات مستويات مختلفة تتفاوت فيما بينها سعة وضيقا بين ( داخل الشخصية ) و ( البين الشخصية ) و( خارج الشخصية ) ففي  المجال الاول والذي هو اضيق مستوى تتحدد المصالح بذات الفرد كالاطماع والملاذ والنفع المادي … اما في المجال الثاني فتكون المصالح بين الفرد والاخرين في تقديم النفع لهم وفي المجال الثالث تكون المصالح موجهة الى نطاق واسع كالوطن والمجتمع والدين … فلو طبقنا الذكاء الناجح والابداع من دون القيم فلا نحصل على اداء قائم على الحكمة (wisdom Related performance) لانهما اقصى ما يوفران هو النتاج الذي يعطي الاشباع, وقد يكون هذا النفع له تداعيات تنتهي بمضرة الغير ،اما الاداء القائم على الحكمة في الوقت الذي يستهدف جلب النفع هو يرمي الى جلب الخير او عدم الاضرار بالغير . فهما – الذكاء الناجح والابداع -  اذن شرطان  اساسيان من شروط الحكمة لكنهما لا يكفيان في افراز الحكمة بل لابد من ضم منظومة القيم (Value system) اليهما لتجعل الفرد يقوم بعملية الموازنة بين تلك المستويات الثلاثة لان المشكلة الكبيرة في نظر (ستيرنبيرغ) هي في اختلال التوازن وهو الذي ينتج الجشعين والدكتاتورين فهم اعتبروا المصالح الذاتية اساسا لمسارهم في الحياة . كما ان الابداع يدخل في ضمن سياق الحكمة بأعتبار ان بعض ما ينتجه الحكيم له من الاصالة والجدة ما لم يوجد في غيره.
                                                                    ( ستيرنبيرغ 2004, , 261 ).
   لو طبقنا ما طرحه هذا العالم الامريكي مع ما جسده (المرجع الحكيم ) نجد ان الموازنة القيمية في شخصية هذا الرجل قد وصلت الى قمتها فهو يتكلم مع تاجر زاره في (لندن) واخذ يذكر حب علي ع وقال " ان اهم ما نفتخر به هو حبنا لعلي بن ابي طالب ع . فقال سماحة السيد ان حب علي بن ابي طالب ع  بحد ذاته حسنة كبيرة , ولكن يجب على المحب ان يتخلى بسيرة محبوبه ومعشوقه, وعلي ع كان يحب اصحابه , ويحب الفقراء , فهل نحن نتحلى بسيرته ؟ ... ونقل انه قرأ أنه قرأ لمحمد حسين هيكل –الكاتب المصري المشهور- قوله عن لقائه بأنشتاين – العالم المشهور- انه سأله عن الحاكم الفعلي في مصر , هل هو محمد نجيب ام جمال عبد الناصر ؟ فأجابه هيكل : ان جمال عبد الناصر هو الحاكم الفعلي في مصر. فقال اينشتاين ماهو موقفه من أهلي ؟! – وكان انشتاين يهوديا المانيا – واردف سماحة السيد : انظر الى اينشتاين هو عالم كبير ولكنه متضامن ومتعاطف مع بني قومه . فهل نحن بهذا المستوى من التعاضد والتكاتف ؟! ... فقال التاجر للسيد : انت – يا سيدنا - لست مرجعا كبيرا فقط وانما مثقف كبير ايضا ( الخفاف : 2012,101 ) . ان هذه الموقف وغيره  تدلل على ان شخصية   ( المرجعية الحكيمة) تعيش الامة وتطلعاتها وتشعر بألم فقراءها, وهذا هو حال الرجل الحكيم الذي لا يعرف ان يتمركز حول ذاته ويعيش لنفس بل يعيش الوجود الجمعي وينظر الى خارج ذاته اكثر مما ينظر الى ذاته , وتحقيق هذا الجانب في الشخصية يحتاج الى قوة عقلية قادرة على الخروج من دنيا الذات الى عالم الواقع والخارج ويحتاج الى نفوذ للعواطف من البيئة الوجدانية في الاطار الضيق الى البيئة الاجتماعية العامة التي تستوعب كل بني البشر بلا استثناء ,لان الحكمة حينما تتمكن قدرتها وتهيمن على كل القدرات الانسانية لاتدع للطاقة الانانية مجالا للتحفيز, وتجعل الفرد مهتما بما هو قيمة عليا خارج الذات . وهذا هو السر العميق في توفر الحكمة عظماء هذه الدنيا, لان الحكمة من المنظور النفسي تتطور بمقدار تطور هذا الحس في البيئة النفسية, وتتناسب طرديا مع هذه القيمة الكبيرة . ومن هنا وتشير "اتشلي" (Atchley,1993)  إلى أن الحكمة المرتبطة بالعلاقات بين - الشخصية، وضمن - الشخصية، وخارج - الشخصية، تعتمد على مدى قدرة الأفراد على النظر إلى أنفسهم من خارج منظورهم الشخصي، بمعنى أن المستوى العالي من الاهتمامات خارج - الشخصية يعد مفتاحاً للحكمة. (Atchley,1993:482)                                                                                          
السمة الثالثة: اصابة الرأي في المواقف الغامضة والصعبة :
     ان من بين اهم الميزات التي يتميز بها الفرد الحكيم هي قدرته الفائقة على اتخاذ قرارات واحكام صائبة تتصل بالمشكلة التي يراد ايجاد الحلول لها , وهذا الامر هو نتيجة حتمية للحكمة اذ ان الحكمة هي نتاج تطوري عام لكل القدرات التي تزخر بها الطاقات الانسانية , فهي في سيرها التطوري الذي يمتد عبر متغير الزمن الطويل الذي يستوعب وحدات زمنية ليست بالقصيرة من عمر الانسان لينتهي الى بلورة قدرة مستوعبة لكل القدرات التطورية في داخل الفرد الحكيم . ومن هنا فالقدرة على فهم حيثيات المشكلة وايجاد الحلول الواقعية لها بنحو موضوعي قد وصل الى مرحلة عالية وقد تأهل الحكيم وفق تجارب طويلة على صياغة الحل بذكاء ناجح . خصوصا اذا كان الفرد قد كرس حياته ليتخذ حلولا متكررة في المواقف الحياتية والعلمية , كما هو الحال في شخصية( المرجعية الحكيمة ) التي وظفت حياتها على المجال العلمي في اتخاذ مواقف فقهية او حياتية تتصل بالخطوط العامة للامة , ومن هنا اتفقت معظم الدراسات على وجود اساس ادراكي قوي للحكمة ... كما ان للحكمة مكون اخر هو مكون البصيرة الذي عرفه (ستيرنبيرغ) بأنه قدرة الفرد ودافعيته على الفهم الواضح للمشكلة عن طريق النظر بوضوح لقضايا والاحاطة بها .( الياسري 2010:, 33 ). 
    ان المعرفة المستنيرة التي تتوفر عليها شخصية (المرجعية الحكيمة) مكنتها من استعداد في لتحمل الغموض للمواقف التي تجابهها . فالمواقف التي تتسم بعدم الوضوح حينما تحل ظروفها تجعل الفرد يتحير ولا يملك مواجهة نتيجة لانشغاله بحيثيات الموقف وظروفه ، ويبدوا ن هذا اللون من حالة الغموض لا تمر بها الشخصية الحكيمة فهو يجابه المشكلات المختلفة بكل تنور ووضوح ويعرف كيف يوجد حلولا للمشاكل الفعلية او للمشاكل المستقبلية ، ولا يستسلم الحكيم  لمشاعر القدر المجهول لأنه يقدر تماما الاحداث ,ويعرف مقدار الربح والخسارة فيها ويتخذ استراتيجيات خاصة تمكنه من التعاطي مع المواقف الغامضة والغير واضح .
     عندما سقط النظام دخل الاحتلال وكان هناك تحدي وتعدي على المواطنين لم يعطي الضوء بالتدخل المسلح الذي كانت هناك اتجاهات تراهن في ايقاع الشيعة في نزيف جديد من الدماء وكانت قرارات( المرجعية الحكيمة) تجاه الاحتلال هي المجابهة السلمية و السياسية وبالفعل فأن اكثر شخصية كان يشكو منها (بريمر) هي شخصية السيد السيستاني ويقول في رسالة الى زوجته " ربما تتطور هذه الازمة لتنهي عملي لأنني لا استطيع ان اتصور الان ان تنفيذ اي من خطتي رغم ان ذلك بسبب السيستاني في كلا الحالين " ( الخفاف : 2013, ,  507) وكانت رؤية المرجعية منبثقة من قراءة الاحداث بكل عمق ودقة . بيد ان الامر اختلف عندما اقبلت (داعش الاجرام) على البلد اتخذ قرار فتوى الجهاد الكفائي في الوقت المناسب تماما وكانت تلك الفتوى هي صدمة كبرى حيث لم يكن يشك اسياد هؤلاء ولو بنسبة  2%انهم سيأخذون العراق بطريقتهم الوحشية من الموصل الى الفاو, وانتهى امرهم بنصر مبين بفضل ذلك القرار من ( المرجعية الحكيمة)   .
     وكانت قراراته منذ اليوم الاول هو اقامة دستور يحفظ للشعب حقوقهم ويحافظ على الثوابت الدينية, والمبادئ الاخلاقية , والقيم الاجتماعية للشعب العراقي,  وتتم كتابته عبر افراد منتخبين من قبل الشعب ليكتسب طابع الشرعية ويتم مشروع الانتخاب بواسطة البطاقات التموينية, وكان الامر كما قرر , رغم المماطلات الكبيرة من قبل الاحتلال وغيرهم .
  كما ان رأي المرجعية كان يقوم على اساس اجراء الانتخابات النزيهة لاختيار الشعب من يمثله في السلطة , وبقي على نفس ذلك الرأي الى الخطاب التاريخي الذي صدر في خطبة الجمعة , بتاريخ 4/5/ 2018 . هذا الثبات والدقة في اتخاذ القرارات تعتبره النظريات النفسية من اهم السمات للشخصية الحكيمة .

الخلاصة
ان هذا البحث يمثل تحليلا للسلوكيات الذكية للمرجعية واستخلاص ثلاث سمات اساسية في الحكمة من المنظور النفسي  , ومنهجية البحث تقوم على اساس ان السلوك الحكيم يكشف عن السمات الحكيمة للشخصية , وفي السمة الاولى يتوفر عنصران وهما (معرفة الحقائق الحياتية) و( المعرفة الاجرائية ) وهما اهم ما ارتكزت عليه (نظرية برلين للحكمة) وهذان العنصران في الواقع يستبطنان ثلاثة امور مهمة في الشخصية الحكيمة وهي اولا: قدرات عقلية عليا . وثانيا: السيطرة الانفعالية . وثالثا: البيئة الغنية بالخبرات والتجارب . والمرجعية توفرت على قدر كبير من ذلك . وفي السمة الثانية للحكمة تميزت المرجعية بقدر يفوق التصور في الموازنة وفق معطيات سلوكها , وعنصر التوازن في الشخصية هو ما نظر له عالم النفس الامريكي المعاصر    ( ستيرنبيرغ ) واعتبر الموازنة تقع بين ثلاثة جوانب في الشخصية الحكيمة وهي (داخل الشخصية ) و( البين شخصية ) و( خارج الشخصية )  وتصور ان عنصر الاستبداد ينتج من اختلال عنصر الموازنة بين تلك الجوانب وفرق بين الابداع والذكاء الناجح . وفي السمة الثالثة كان لرأي المرجعية ثبات واصابة تجلى في المواقف و عنصر الاصابة يبتني على الفهم العميق للمشكلات كما ذكره الياسري عن ستيرنبيرغ .


المصادر العربية 
1- الخفاف : حامد ,(2012  ) .الرحلة العلاجية لسماحة السيد السيستاني وازمة النجف , دار المؤرخ العربي .بيروت لبنان .
2-الخفاف : حامد ,(2013  ). النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية . دار المؤرخ العربي .بيروت لبنان .
3- الفاضلي : حسين محمد علي ،2011  ، الامام السيستاني امة في رجل. مؤسسة البلاغ بيروت - لبنان
4- ستيرنبرج ، روبرت ج .(2004 )الحكمة والذكاء والإبداعية : رؤية تركيبية .  ترجمة : هناء سليمان ، مراجعة : إبراهيم فتحى – المركز القومى للترجمة مصر  القاهرة .
5-  الياسري: مصطفى نعيم عبدالله محمد (2011 ) تطور الحكمة في مرحلتي 
المراهقة والرشد , اطروحة دكتوراه , كلية التربية –ابن رشد – جامعة بغداد . غير مطبوعة

المصادر الاجنبية

1-Pasupathi, M.,&U.M.Staudinger.(2001).“Do Advanced Moral Reasoners Also Show Wisdom? Linking Moral Reasoning and Wisdom-Related Knowledge and Judgement.”International Journal of Behavioral Development 25(5), September.

3-Ardelt. (2000). Intellectual versus wisdom-related knowledge: The case for a different kind of learning in the later years of life. Educational Gerontology. An International Journal of Research and Practice, 26(8).
4-Hanna, Fred J., and Allen J. Ottens. (1995). “The Role of Wisdom in Psychotherapy.” Journal of Psychotherapy Integration 5(3).
5-Atchley, Robert C. (1993). “Spiritual Development and Wisdom: A Vedantic Perspective.” in Encyclopedia of Adult Development, Robert Kastenbaum, Ed. Phoenix, AZ: Oryx Press.


قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat


مهيب الاعرجي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2018/05/08



كتابة تعليق لموضوع : حكمة المرجعية   ..  مقاربة مع المنظور النفسي
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :





الكتّاب :

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :


مقالات متنوعة :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net