السجودُ بين الأصالة والتغيير الحلقة الثالثة
د . احسان الغريفي
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
د . احسان الغريفي
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
كانت الخلاصة في المقالات السابقة أنه إذا وجب ملامسة الجبهة للتراب في السجود، فيستحسن للمصلي أن يتّخِذ لنفسه تربة طاهرة يتيقّن من طهارتها، وتكون صعيداً طاهراً يأخذها مِن أيِّ بقعة من بقاع الأرض في العالم ليسجد لله عليها رفعاً للمشقة التي قد يعانيها من البحث عن التراب في البيت أو المسجد الذي يكون مفروشاً بأنواع البسط، أو الفرش التي لا يصحّ السجود عليها؛ لأنها ليست تراباً، ولا مما أنبتت الأرض ليس مأكولاً، ولا مما يلبس، سواء كان المصلي في الحضر، أو في السفر، إذ قد لا يتوفر له التراب الطاهر بسهولة، لهذا تتخذ الشيعة التربة الطاهرة للصلاة عليها، وهذه هي سنة النبي وسنة الصحابة والتابعين، كما تصرّح بذلك كتب السنة.
وذكرنا في العددين السابقين بعض التغييرات التي أُدخلت في الصلاة بعد وفاة رسول الله، ومن هذه التغييرات ترك القنوت في الصلاة، وترك الجهر بالتكبيرات، وترك الجهر بالبسملة، وترك صلاة القصر، والفصل بين صلاة الظهر والعصر، وتطويل صلاة الجماعة، ونذكر هنا التغيير الَّذي طرأ على السجود، فإنَّ صحة السجود في أصل الشرع يجب فيه أن يكون على الأرض دون حائل بين الأرض والجبهة، أو على ما أنبتته الأرض بشرط أن لا يكون من النباتات الَّتي تُؤكل أو تُلبس، وهو ما تفعله الشيعة في الصلاة، أعني ملامسة الجبهة للتربة دون حائل، وهي سنَّة رسول اللهالذي اتَّخذ لنفسه خُمرة لا يسجد إلاَّ عليها، فروى البخاري ومسلم في صحيحهما أنه كَانَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَتِهِ(1). وروي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ قَالَتْ فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ فَقَالَ إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ)(2). والخُمْرَة فسرها ابن الأثير بأنَّها: (هي مقدارُ ما يَضَع الرجُل عليه وجْهه في سجوده من حَصِير أو نَسِيجة خُوص ونحوه من النَّباتِ ولا تكون خُمْرة إلا في هذا المقدار وسُمِّيت خُمْرة؛ لأنّ خُيوطها مَسْتُورة بِسَعَفِها)(3).
وقال ابن منظور: (الخُمْرَةُ: حصيرة أَو سَجَّادَةٌ صغيرة تنسج من سَعَفِ النخل وتُرَمَّلُ بالخيوط، وقيل: حصيرة أَصغر من المُصَلَّى، وقيل: الخُمْرَة الحصير الصغير الذي يسجد عليه)(4).
ووردت رواية صحيحة أن النبي سجد على الحجر؛ فقد روى الحاكم في مستدركه بإسناده: عن ابن عباس رضي الله عنهما، (أن النبي سجد على الحجر)[قال الحاكم]: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)(5). أي (البخاري ومسلم).
وقد أخرج البيهقي باباً في سننه سمّاه:
(باب الكشف عن الجبهة في السجود) ذكر فيه عدّة أحاديث توجب ملامسة الجبهة والأنف للتراب منها ما رواه بإسناده: (عن خباب بن الأرتِّ قال: شكونا إلى رسول الله شدة الرمضاء في جباهنا وأكُفِّنا فلم يَشْكُنا)(6). أي لم يرّخص لهم السجود على حائل يحول بين التراب الحار وبين جباههم، بل كان يأمرهم بملامسة جباههم للتراب، ومنها حديث أبي سعيد الخدري الذي رأى الطينَ على جبهة النبي لسجوده على الطين بسبب نزول المطر)(7).، وأخرج الترمذي بإسناده (عن أم سلمة قالت: رأى النبي غلاماً لنا يُقال له أفلح، إذا سجد نفخ، فقال: (يا أفلح ! تَرِّبْ وَجْهَكَ)(8).
وروى البيهقي بسنده )عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلاَةَ الظُّهْرِ فَآخُذُ قَبْضَةً مِنَ الْحَصَى فِى كَفِّي حَتَّى تَبْرُدَ، وَأَضَعُهَا بِجَبْهَتِي إِذَا سَجَدْتُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ. [وقال البيهقي بعد ذكر الحديث] قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ الله: وَلَوْ جَازَ السُّجُودُ عَلَى ثَوْبٍ مُتَّصِلٍ بِهِ لَكَانَ ذَلِكَ أَسْهَلُ مِنْ تَبْرِيدِ الْحَصَى فِى الْكَفِّ، وَوَضْعِهَا لِلسُّجُودِ عَلَيْهَا)(9).
وقد وردت روايات كثيرة تدلّ على عدم جواز الصلاة على الثوب، ولابد من مباشرة الجبهة للتراب دون حائل، ومن هذه الروايات ما رواه البيهقي بسنده عَنْ صَالِحِ بْنِ خَيْوَانَ السَّبَائِيُّ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأَى رَجُلاً يَسْجُدُ بِجَنْبِهِ، وَقَدْ أَعْتَمَ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ جَبْهَتِهِ).
وَفِيمَا رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيّ قَالَ: (رَأَى رَسُولُ اللَّهِ رَجُلاً يَسْجُدُ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: (ارْفَعْ عِمَامَتَكَ) وَأَوْمَأَ إِلَى جَبْهَتِهِ) (10).
فكل هذه الروايات التي روتْها كتبُ السنَّة تأمر بالسجود على الأرض دون حائل بينها وبين الجبهة، ومنها يتبيّن أن سجود الشيعة على التربة هو الطريقة الصحيحة والأصيلة التي أمر بها رسولُ الله، ولا يصحّ السجود على الأرض مع وجود حائل يمنع ملامسة الجبهة للأرض.
وهناك المزيد من الأدلة التي سنذكرها في العدد القادم حول أصالة السجود المباشر على الأرض.
المصادر:
(1) صحيح البخاري: 76[كتاب الحيض/باب الصلاة على النفساء وسنتها- حديث:333 ]، خرّج أحاديثه وعلّق عليه: محمود محمد محمود حسن نصَّار، ط . الخامسة ؛ 2007م – 1428هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، وصحيح مسلم:258[ كتاب المساجد ومواضع الصلاة/ باب جواز الجماعة في النافلة والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات-ح. 370-(513)]، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع - القاهرة، ط. الأولى؛1426هـ - 2005م.
(2) صحيح مسلم:134[ كتاب الحيض/ باب مباشرة الحائض فوق الإزار-ح. 11-(298)].
(3) النهاية في غريب الحديث والأثر لأبي السعادات المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير (ت .606هـ): 1 / 531 – 532، تحقيق: الشيخ خليل مأمون شيحا، دار المعرفة – بيروت، لبنان، ط .الثانية ؛ 1427هـ - 2006م .
(4) لسان العرب لإبن منظور: 4 / 213 [خمر]، تصحيح: أمين محمد عبد الوهاب، ومحمد الصادق العبيدي، دار احياء التراث العربي – بيروت، لبنان، ط. الثالثة.
(5) المستدرك على الصحيحين للحاكم:2 / 34 [ ح. 1775]، تحقيق: د. محمود مطرجي، دار الفكر بيروت، لبنان،ط.1422هـ - 2002م.
(6) السنن الكبرى للبيهقي: 2 / 438، [ح. 2713 / كتاب الصلاة]، دار الفكر – بيروت، لبنان، ط. الأولى ؛ 1425هـ - 2005م .
(7) نفس المصدر السابق: 2 / 436[ح. 2707 / كتاب الصلاة].
(8) الجامع الصحيح (سنن الترمذي) للترمذي: 1/ 282 [ح. 280 - باب ما جاء في كراهة النفخ في الصلاة]، تحقيق: محمود محمد محمود نصار، دار الكتب العلمية – بيروت، لبنان، ط. الأولى؛ 1421هـ - 2000م.
(9) السنن الكبرى للبيهقي: 2 / 439، [ح. 2714 / كتاب الصلاة] .
(10) نفس المصدر السابق: 2 / 439، [ح. 2715 – 2716 / كتاب الصلاة].
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat