كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

البلاغة في الميزان القرآني

عن كتاب تلخيص التمهيد للمؤلف محمد هادي معرفة: أنّه عدل عن المجاز إلى الاستعارة في قولهوَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (مريم 4) وهي من محاسن المجاز، ومن مثمرات البلاغة، وبلاغتها قد ظهرت من جهات ثلاث: الجهة الأولى: إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادة شمول الاشتعال بجميع الرأس، بخلاف ما لو قال: اشتعل شيب رأسي، فإنّه لا يؤدّي هذا المعنى بحال، فـ (اشتعل رأسي) وزان اشتعلت النار في بيتي، ووَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (مريم 4) وزان: اشتعل بيتي ناراً. الجهة الثانية: الإجمال والتفصيل في نصب التمييز، فإنّك إذا نصبتشيباً كان المعنى مخالفاً لما إذا رفعته، فقلت: اشتعل شيب رأسي، لما في النصب من المبالغة دون غيره. الجهة الثالثة: تنكير قولهشيباً لإفادة المبالغة، ثم إنّه ترك لفظمنّي في قولهوَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (مريم 4) اتّكالاً على قولهوَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي (مريم 4) ثم إنّه أتى به في الأَوّل، بياناً للحال وإرادةً للاختصاص بحاله في إضافته إلى نفسه، ثُمّ عطف الجملة الثانية على الجملة الأُولى بلفظ الماضي، لِما بينهما من التقارب والملاءمة.

جاء في كتاب موسوعة المفاهيم الاسلامية العامة لمؤلفه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية المصرية عن البلاغة: لغة: الوصول والانتهاء ومشارفة الغاية. كما فى اللسان. يوصف بها الكلام والمتكلم، ولا توصف بها الكلمة إلا على سبيل المجاز. قال الزمخشرى فى أساس البلاغة، ومن المجاز: حفظت كلمة الحويدرة (الشاعر) لقصيدته، وهذه كلمة شاعرة. واصطلاحا: مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته، والحال ويسمى المقام: هو الأمر الذى يدعو المتكلم إلى أن يعتبر فى كلامه خصوصية ما، فيأتى بكلامه على نحو خاص من الصياغة والتعبير من تقديم وتأخير أو ذكر أو حذف أو تعريف أو تنكير أو قصرأو إنشاء وغيرذلك من المعانى التى تترجم عن فكر المتكلم وقلبه، ولذا قالوا: لكل مقام مقال، ولكل كلمة مع صاحبتها مقام ومجىء الكلام معبرا عن حال صاحبه ملائما لحال المخاطب يسمى مقتضى الحال، أو الاعتبار المناسب، فذكاء المخاطب يقتضى الإيجاز، والانكار يقتضى التوكيد، والإنكار يقتضى التعريف والتكذيب والتوبيخ اقتضى همزة الاستفهام الإنكارى فى قول الله تعالى ردا على عقائد المشركين:أصطفى البنات على البنين (الصافات 114). أ. د صبّاح عبيد دراز. عن البلاغ: لغةً: البلاغ: ما يُتبلَّغ به ويُتوصل إلى الشيء المطلوب. والبلاغ: ما بلغك الكفاية.. وتقول: له فى هذا بلاغ كفاية. والبلاغ: الإبلاغ. وفى التنزيلإلا بلاغا من الله ورسالاته (الجن 23) أى لا أجد منجى إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به. والإبلاغ: الإيصال، وكذلك التبليغ، والاسم منه البلاغ، وبلغت الرسالة أى أوصلتها والبلاغ: ما يتوصل به إلى الغاية، والبلاغ: بيان يذاع فى رسالة ونحوها ويقول الراغب فى مفردات القرآن: البلوغ والبلاغ الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى مكانًا كان أو زمانًا أو أمرًا من الأمور المقدرة، وربما يعبربه عن المشارفة عليه، وإن لم ينته إليه، فمن الانتهاء قوله تعالىحتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة (الأحقاف 15)، وقوله عز وجلوإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن (البقرة 232)ما هم ببالغيه (غافر 56). والبلاغ التبليغ نحو قوله عز وجلهذا بلاغ للناس (إبراهيم 52) والبلاغ الكفاية نحو قوله عز وجلإن فى هذا لبلاغًا لقوم عابدين (الأنبياء 106) وأما قوله تعالىفإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف (الطلاق 2) فللمشارفة. ويقال بلغته الخبر وأبلغته مثله وبلغته أكثرقال تعالىأبلغكم رسالات ربى (الأعراف 62) وقال تعالى:ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك (المائدة 67). أ. د / حسن عبد الرؤوف محمد البدوى.

عن مركز تفسير للدراسات القرآنية: بلاغة التشبيه في القرآن الكريم للدكتور عليّ ميرلوحي فلاورجاني: بيان إمكان المشبَّه بإيراد التشبيه كبرهان له، كما في قول الشاعر: فإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنت منهم * فإنَّ المسكَ بعضُ دمِ الغزالِ. فقد أراد الشاعر أن يُثبت لممدوحه (أنّه فاق الأنام وفاتهم إلى حدٍّ بَطَلَ معه أن يكون بينه وبينهم مشابهة ومقاربة، بل صار كأنه أصلٌ بنفسه وجنسٌ برأسه وهذا أمر غريب، وهو أن يتناهى بعض أجزاء الجنس في الفضائل الخاصّة به إلى أن يصير كأنه ليس من ذلك الجنس، وبالمدعى له حاجة أن يصحّح دعواه في جواز وجوده على الجملة إلى أن يجيء إلى وجوده في الممدوح، فإذا قال: (فإنّ المسكَ بعضُ دمِ الغزالِ)، فقد احتجّ لدعواه وأبان أنّ لِما ادّعاه أصلًا في الوجود). والأغراض الثلاثة الباقية يعود أمرها إلى الإيضاح والتبيين وتفهيم المعنى وتقريبه إلى ذهن السامع أو قلبه بأخصر بيان وأبلغ كلام، فإذا قال القائل: (هو كالرّاقم على الماء)، في تقرير حال مَن لا يحصل مِن سعيه على طائل، فقد أخرج المعنى من صورته المعقولة إلى صورة مشابهة لها محسوسة، ووضعه على مسرح الحسّ والعيان، وفي تبيين مقدار حال المشبَّه في قوله تعالى:الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا ‌كَوْكَبٌ ‌دُرِّيٌّ (النور 35)، ينتقل المخاطب والسامع من الوصف بالسماع إلى الرؤية بالأبصار، وهذا غاية في البلاغة والبيان، وكذا يحصل للسامع في بيان حال المشبَّه في قوله تعالى:يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ ‌كَطَيِّ ‌السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ (الأنبياء 104)، من تصوّر حال المشبّه ووضوحه ما لا يخلفه أيُّ تعبير ولا يسُدّ مسَدّه أيُّ بيان. إثبات توحيد الله سبحانه بالتشبيه البرهاني: من الواضح أن إثبات التوحيد بالتشبيه البرهاني لا يتأتى إلا في القضية السالبة لا الموجبة، لأنه تعالى بالبرهان العقلي وبالدليل النقلي كما في قوله سبحانه:لَيْسَ ‌كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (الشورى 11) تنزّه عن أن يكون له مثل أو نظير، فكيف يمكن إثبات وحدانيته بالقياس إلى غيره قياسًا إيجابيًّا. أمّا إثبات توحيده بالتشبيه البرهاني وفي قضية سالبة تقرن بدليل ينفي المشابهة والمماثلة بين الله وغيره فهذا أمر ممكن، ومما جاء في كلام الله تعالى قوله:أَفَمَنْ ‌يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ (النحل 17)، فقد نفى اللهُ حكمَ المساواة والمماثلة بين طرفي التشبيه المفروض وقرن به العلّة وهي تضاد الطرفين في أنّ المشبه المفروض قادر على الخلق والمشبه به المفروض غير قادر عليه، فينتفي بذلك المشابهة.

عن موقع زهاوي: سحر التصوير الفني في النص القرآني للدكتورة زينو عبد الله: الأدب القرآني يُعد أعظم نموذج بلاغي في اللغة العربية، حيث يمتزج فيه الجمال الفني مع الرسالة الإلهية. وفي هذا السياق، يُعد كتاب "التصوير الفني في القرآن" للسيد قطب دراسة فريدة من نوعها. يستعرض قطب في كتابه أسلوب القرآن الكريم في التعبير عن المعاني والأفكار من خلال الصور الفنية التي تتسم بالدقة والجمال والعمق. يُظهر السيد قطب في بداية الكتاب أهمية التصوير الفني كأحد أعمدة البلاغة القرآنية، فهو يري أن النص القرآني يعتمد علي الصور الحسية والبصرية لإيصال الرسالة بشكل مؤثر ومباشر. ويعتبر التصوير الفني في القرآن وسيلة تتجاوز الإيضاح إلي الإيحاء، حيث يخلق صورًا ذهنية تنقل القارئ إلي عوالم النص، مما يجعله يعيش التجربة الشعورية وكأنه جزء منها. التصوير الحسي والبصري في القرآن: من أبرز الأمثلة التي يتناولها قطب هو تصوير يوم القيامة. يوضح كيف أن القرآن يستخدم مشاهد مليئة بالحركة والتفاصيل، مثل قوله تعالي: "يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9)" (المعارج 8-9). هذا التصوير البصري يجعل القارئ يلمس رهبة الموقف، ليس فقط كمعني، بل كإحساس عميق يصل إلي القلب والعقل معًا. السيد لا ينظر إلي التصوير الفني كعنصر مستقل عن السياق، بل يربطه بالرسالة الكلية للنص. فعلي سبيل المثال، عند تصوير النفس البشرية في القرآن، يبرز كيف أن النص يصف مشاعر الإنسان بدقة متناهية. سواء كان الحديث عن الخوف والقلق أو الرجاء والسعادة، فإن القرآن يقدم لوحات فنية تعكس التجربة الإنسانية في أنقي صورها. ومن الجوانب التي يسلط عليها الكتاب الضوء هي قدرة القرآن علي الجمع بين الثبات والشمولية في رسالته. التصوير الفني لا يخدم فقط غرض الإيضاح، بل يساهم في تعزيز الرسالة الأخلاقية والروحية للنص. فالمشاهد الفنية ليست فقط أدوات بلاغية، بل تحمل في طياتها دعوة للتأمل في عظمة الخلق والخالق. ويشير قطب أيضًا إلي أن التصوير الفني في القرآن يختلف عن الأساليب الأدبية الأخري. فهو يعتمد علي الصور الكونية والطبيعية التي يتفاعل معها كل إنسان بغض النظر عن ثقافته أو خلفيته. هذا الطابع العالمي يجعل النص القرآني يتجاوز الزمان والمكان، ليكون رسالة مستمرة للعالم أجمع.

جاء في مؤسسة علوم نهج البالغة عن بناء الإنسان وتربيته في نهج البلاغة للكاتب عمَّار حسن الخزاعي: نسج أمير المؤمنين عليه السلام في هذه النص كلمات بنسيج لا يرقى له كلام ما خلا كلام النبي صلَّى الله عليه وآله، فهو يذكِّر ويُحذِّر من يُعيب النَّاس بستر الله عليه في عيوبه، فقد يكون العائب له ذنبًا أعظم من ذنب المعيب ومع ذلك فإنَّ الله تعالى قد ستره ولم يفضحه بين الناس، ولو قال قائل إنِّي لم ارتكب ذنبًا كذنب هذا الشخص ولذلك يحقُّ لي التشهير به، وهنا يقول له الإمام بأنَّك إذا لم ترتكب مثل هذا الذنب بعينه فقد يمكن أن تكون ارتكبت ذنبًا آخر لا يقلُّ شناعةً عن هذا الذنب، ولو ادَّعى العائب بأنَّ ذنبي صغير أمام ذنبه، فيجيبه الإمام بأنَّ جرأتك على عيب النَّاس وفضحهم بذنوبهم أعظم من ذنوبهم نفسها، لأنَّك تفضح مؤمنًا من الممكن أن يتوب فيغفر له الله تعالى، ولكن لو شهَّرت به فحتمًا أنَّك ستمنعه من التوبة بالفضيحة التي تكون فيما بعد دافعًا له لارتكاب المحارم، ثمَّ يوصي أمير المؤمنين عليه السلام الناس بعدم عيب غيرهم، إذ من الممكن أن يرى العائب عظم ذنب غيره بالنسبة لذنبه، ولكن هو لا يعلم بأنَّ من الممكن أن يكون الله تعالى قد غفر لمن يراه بالذنب العظيم ولم يغفر ذنبه الصغير، وعلى ذلك يكون الرأي السليم والبناء القويم لشخصية الإنسان السوي أنَّه إذا اطَّلع على عيب غيره أن ينشغل بشكر الله تعالى الذي عصمه من هكذا ذنب أو ستره عندما اقترف مثل هذا الذنب. وهكذا يُقدِّم لنا أمير المؤمنين عليه السلام درسًا أخلاقيًا يُعالج ما تتطبَّع عند بعض النَّاس الذين يتتبعون عثرات غيرهم من أجل التشهير بهم وفضحهم، وقد لاحظنا أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يُقدِّم النصيحة فحسب، بل حاجج النفس الإنسانية بكلِّ ما يمكن أن تحتجُّ به على صحة فعلها في عيب غيرها، فتتبع تلك الاحتمالات وأسقطها الواحدة تلو الأخرى، وبذلك لم يعد لها إلَّا التسليم والإذعان. وهناك كلمات أُخرى لأمير المؤمنين عليه السلام يكشف بها عن حقيقة من يعيب غيره فيقول: (أَكْبَرُ الْعَيْبِ أَنْ تَعِيبَ مَا فِيكَ مِثْلُه)، وقوله عليه السلام: (مَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ فَأَنْكَرَهَا ثُمَّ رَضِيَهَا لِنَفْسِهِ فذَاك الأحْمَقُ بِعَيْنِهِ). فالذي يُعيب غيره يرتكب عيبًا أكبر ممَّا عاب به، وهو أحمق بامتياز وذلك لأنَّه أنكر العيب في غيره ورضاه في نفسه. أعاذنا الله تعالى وإيَّاكم من تتبع عيوب الآخرين، ونسأل الله تعالى أن يُشغلنا بعيوبنا عن عيوب غيرنا.

القرآن.webp

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!