كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

مفهوم الأرحام عند العلامة الطبابائي في تفسير الميزان

مفهوم الأرحام عند العلامة الطبابائي في تفسير الميزان
 
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿النساء 1﴾ وأما قوله: وَالْأَرْحامَ فظاهره أنه معطوف على لفظ الجلالة، والمعنى: واتقوا الأرحام، وربما قيل: إنه معطوف على محل الضمير في قوله: به وهو النصب يقال: مررت بزيد وعمرا،وربما أيدته قراءة حمزة: والأرحام بالجر عطفا على الضمير المتصل المجرور وإن ضعفه النحاة فيصير المعنى: واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام يقول أحدكم لصاحبه: أسألك بالله وأسألك بالرحم،هذا ما قيل،لكن السياق ودأب القرآن في بياناته لا يلائمانه فإن قوله: وَالْأَرْحامَ ﴿النساء 1﴾ إن جعل صلة مستقلة للذي،وكان تقدير الكلام: واتقوا الله الذي تساءلون بالأرحام كان خاليا من الضمير وهو غير جائز،وإن كان المجموع منه ومما قبله صلة واحدة للذي كان فيه تسوية بين الله عز اسمه وبين الأرحام في أمر العظمة والعزة وهي تنافي أدب القرآن. وأما نسبة التقوى إلى الأرحام كنسبته إليه تعالى فلا ضير فيها بعد انتهاء الأرحام إلى صنعه وخلقه تعالى،وقد نسب التقوى في كلامه تعالى إلى غيره كما في قوله: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ (البقرة 281)،وقوله: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (آل عمران 131)، وقوله: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (الأنفال 25). وكيف كان فهذا الشطر من الكلام بمنزلة التقييد بعد الإطلاق والتضييق بعد التوسعة بالنسبة إلى الشطر السابق عليه أعني قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا ﴿النساء 1﴾ إلى قوله: وَنِساءً ﴿النساء 1﴾، فإن محصل معنى الشطر الأول: أن اتقوا الله من جهة ربوبيته لكم، ومن جهة خلقه وجعله إياكم معاشر أفراد الإنسان من سنخ واحد محفوظ فيكم ومادة محفوظة متكثرة بتكثركم،وذلك هو النوعية الجوهرية الإنسانية،ومحصل معنى هذا الشطر: أن اتقوا الله من جهة عظمته وعزته عندكم (وذلك من شئون الربوبية وفروعها) واتقوا الوحدة الرحمية التي خلقها بينكم (والرحم شعبة من شعب الوحدة والسنخية السارية بين أفراد الإنسان).

ويستطرد العلامة السيد الطباطبائي في توضيحه لمفهوم الأرحام قائلا: ومن هنا يظهر وجه تكرار الأمر بالتقوى وإعادته ثانيا في الجملة الثانية فإن الجملة الثانية في الحقيقة تكرار للجملة الأولى مع زيادة فائدة وهي إفادة الاهتمام التام بأمر الأرحام. والرحم في الأصل رحم المرأة وهي العضو الداخلي منها المعبأ لتربية النطفة وليدا، ثم أستعير للقرابة بعلاقة الظرف والمظروف لكون الأقرباء مشتركين في الخروج من رحم واحدة،فالرحم هو القريب والأرحام الأقرباء،وقد اعتنى القرآن الشريف بأمر الرحم كما اعتنى بأمر القوم والأمة، فإن الرحم مجتمع صغير كما أن القوم مجتمع كبير،وقد اعتنى القرآن بأمر المجتمع وعده حقيقة ذات خواص وآثار كما اعتنى بأمر الفرد من الإنسان وعده حقيقة ذات خواص وآثار تستمد من الوجود، قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ،قَدِيراً (الفرقان 54) وقال تعالى: وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا : (الحجرات 13)، وقال تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ (الأحزاب 6)، وقال تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (محمد 22)، وقال تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ ( النساء 9)، إلى غير ذلك من الآيات.

وفي ختام تفسير الآية النساء 1 جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى: إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴿النساء 1﴾ الرقيب الحفيظ والمراقبة المحافظة، وكأنه مأخوذ من الرقبة بعناية أنهم كانوا يحفظون رقاب عبيدهم، أو أن الرقيب كان يتطلع على من كان يرقبه برفع رقبته ومد عنقه، وليس الرقوب مطلق الحفظ بل هو الحفظ على أعمال المرقوب من حركاته وسكناته لإصلاح موارد الخلل والفساد أو ضبطها، فكأنه حفظ الشيء مع العناية به علما وشهودا ولذا يستعمل بمعنى الحراسة والانتظار والمحاذرة والرصد،والله سبحانه رقيب لأنه يحفظ على العباد أعمالهم ليجزيهم بها، قال تعالى: وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (سبأ 21)، وقال اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (الشورى 6)، وقال: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (الفجر 14). وفي تعليل الأمر بالتقوى في الوحدة الإنسانية السارية بين أفراده وحفظ آثارها اللازمة لها، بكونه تعالى رقيبا أعظم التحذير والتخويف بالمخالفة،وبالتدبر فيه يظهر ارتباط الآيات المتعرضة لأمر البغي والظلم والفساد في الأرض والطغيان وغير ذلك، وما وقع فيها من التهديد والإنذار، بهذا الغرض الإلهي وهو وقاية الوحدة الإنسانية من الفساد والسقوط.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!