كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

السياق الدستوري لانعقاد جلسة مجلس النواب الجديد/ج٢

السياق الدستوري لانعقاد جلسة مجلس النواب الجديد/ج٢

 

  كنَّا قد ذكرنا بصدد انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب الجديد أنَّ على رئيس الجمهورية توجيه الدعوة لانعقاد المجلس خلال خمسة عشر يوماً من تأريخ المصادقة النهائية على نتائج الانتخابات، وأنه يمكن تمديد مدة توجيه الدعوة خمسة عشر يوماً أخرى.وعلى الرغم من قيام الرئيس بتوجيه الدعوة هذا اليوم، بيد أنَّ طلب بعض الإخوة إيضاحاً حول ما تمَّ نشره أمس بشأن الموضوع، وبالنظر لكونه يمثِّل إشكاليةً دستوريةً يمكن أن تتكرر في كل دورةٍ برلمانيةٍ ؛ لذا سأشرع بالإيضاح. وفي هذا الصدد أود بيان الآتي :

أولاً : لا بدَّ من التسليم ابتداءً أنَّ النص الوارد في  المادة (٥٤) من الدستور المتعلق بمدة توجيه الدعوة لانعقاد مجلس النواب الجديد خلال خمسة عشر يوماً من تأريخ المصادقة على نتائج الانتخابات العامة هو محلُّ اجتهادٍ، وليس قطعياً، وأنه يحتمل تفسيرين :

  أما أحدهما فهو التفسير الضيق، وهو الذاهب إلى أنَّ مدة الخمسة عشر يوماً المخصَّصة لتوجيه دعوة الانعقاد من قبل رئيس الجمهورية لا يمكن تمديدها، وأما الآخر فهو التفسير الواسع الذي ذهبنا إليه، والقاضي بجواز تمديد هذه المدة خمسة عشر يوماً أخرياتٍ لاحقاتٍ. 

ثانياً : وبالنظر لما تقدَّم في (أولاً) كان النصُّ المذكور آنفاً محلَّ مراجعة لجنة تعديل الدستور التي عملت بعد سريان نفاذ الدستور للسنوات (٢٠٠٦-٢٠٠٩).

ثالثاً : وللفائدة نورد ابتداءً نص المادة (٥٤) من الدستور كي يطَّلع عليها الجميع :

(يدعو رئيس الجمهورية مجلس النواب للانعقاد بمرسومٍ جمهوري، خلال خمسة عشرَ يوماً من تاريخ المصادقة على نتائج الانتخابات العامة، وتعقد الجلسة برئاسة اكبر الاعضاء سناً لانتخاب رئيس المجلس ونائبيه، ولا يجوز التمديد لأكثر من المدة المذكورة آنفاً).

وفي معرض الاستدلال على التفسير -الواسع- والرأي الذي طرحناه نورد الأدلة الآتية :

١- لو أننا تابعنا نصوص الدستور جميعها، بدءاً من المادة الأولى ولغاية المادة الأخيرة، فأننا سنخرج بنتيجةٍ مؤداها حِرص الدستور على ذكر مددٍ وتوقيتاتٍ معينةٍ ومحددةٍ، بيد أنه لا يذكر في أعقاب أيِّ نصٍ عبارةً مثل (ولا يجوز تمديد المدة المذكورة)، بل يكتفي بذكر المدة بشكلٍ محددٍ وقاطعٍ ويَكفُّ عمَّا بعد ذلك من ذكر أية عبارةٍ لا تجيز التمديد.

٢- إنَّ السياق المذكور في البند (١) هو السياق الشائع في الدساتير قاطبةً، وليس سياقاً معتمداً من قبل الدستور العراقي فحسب.هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى هو سياقٌ شائعٌ في المنظومة القانونية أيضاً.فإنكم تلاحظون أنَّ الإطار العام للقوانين، سواءً في العراق أو في غيره، يتمثَّل بتحديد بعض المدد، مثل مُدد التظلُّم والطعن والشكوى والاعتراض.. ولا يردفها القانون بعبارة (ولا يجوز تمديد المدة) إطلاقاً، بل يكتفي بتحديدها، إلا إذا كان التمديد مقصوداً لذاته فإنه يتطرق إليه.

٣- لو رجعنا إلى نص المادة (٥٤) من الدستور لوجدنا أنها ذَيَّلت مدة توجيه الدعوة بعبارة (ولا يجوز التمديد لأكثر من المدة المذكورة آنفاً) خلافاً لكل المدد والتوقيتات الدستورية التي لم تُشفع بمثل هذه العبارة، مع أنَّ بعض المدد الأخرى الواردة في الدستور ربما تكون أكثر خطورةً من مجرد توجيه الدعوة، مثل مدة انتخاب رئيس الجمهورية (ثلاثون يوماً من تأريخ انعقاد الجلسة –المادتان ٧٠ و ٧٢-) ، ومدة تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتأليف الحكومة (خمسة عشر يوماً من تأريخ انتخاب الرئيس –المادة ٧٦-)، ومدة تقديم أسماء الوزراء (خمسة عشر يوماً من تأريخ التكليف –المادة ٧٦-)...الخ.

  ونستشف مما سلف أنَّ العبارة الواردة في ذيل المادة (٥٤) هي مقصودةٌ بالتأكيد، ولو أنها كانت غير ذلك لتكررت في المضامين الأخرى المهمة المذكورة في أعلاه ؛ لذا فهي ليست لغواً من القول، ولا تأكيداً للمضمون ؛ لأنَّ غيرها أحقُّ بهذا التأكيد منها، بل هي مقصودةٌ بالذات، فاَنفردت في الذكر من بين نصوص الدستور جميعها.

٤- وإذا انتقلنا إلى تحليل العبارة ذاتها (ولا يجوز التمديد لأكثر من المدة المذكورة آنفاً) قلنا إنها لم تحظر التمديد، كما يذهب إلى ذلك الكثيرون ممَّن قرأها، بل الحقُّ أنها حظرت من جهةٍ وأجازت من جهةٍ أخرى.وبيان ذلك أنها حظرت ومنعت تمديد مدة توجيه الدعوة (الخمسة عشر يوماً) لأكثر من المدة ذاتها، أي لأكثر من خمسة عشر يوماً، لكنها من جهةٍ أخرى أجازت،بمفهوم المخالفة، التمديد فيما لو كان أقل من خمسة عشر يوماً أو للمدة ذاتها –أي لخمسة عشر يوماً- حتى تغدو مدة توجيه الدعوة ثلاثين يوماً بالمجموع، خمسة عشر يوماً في البدء، مع تمديدها لخمسة عشر يوماً أخرى.فما الحكمة من إيراد عبارة (لأكثر) إن لم تكن مقصودةً، فلو أنها لم تكن مقصودةً لسلك الدستور أحد مسلكين بشأنها :

الأول : المسلك المعتاد :

وهو المتمثِّل بعدم التطرق إلى العبارة برمتها (ولا يجوز التمديد ..)، كما فعل مع المدد الدستورية جميعها.

الثاني : المسلك الصياغي :

إذا كُلِّف أحدكم بصياغة العبارة، فهل سيقوم بصياغتها بالآتي : (ولا يجوز التمديد لأكثر من المدة المذكورة آنفاً) ؟ أو أنه سيصيغها بالآتي : (ولا يجوز تمديد المدة المذكورة آنفاً) ؟ والجواب أتركه لحضراتكم، مع أنَّ المتخصِّصين سيعلمون أن تفسير عبارة(لأكثر) من خلال (مفهوم المخالفة) سيجعل الفرق كبيراً بين الصياغتين ؛ إذ سيكون المحظور هو التمديد(لأكثر)،بيد أنَّ التمديد لأقل أو للمدة ذاتها مسموحٌ به.ومن كل ذلك يتضح جلياً الفرق بين الصياغتين والمراد منهما.

٥- ما دام النص يحتمل التفسيرين، الضيق والواسع، فستكون المصلحة حتماً في التفسير الواسع للنص ؛ وذلك لسببين :

الأول : للحيلولة دون الوقوع في مخالفة الدستور وتجاوز المدد والتوقيتات التي وضعها، والتي تلجأ إليها الكتل البرلمانية عند عدم قدرتها على حسم الرئاسات خلال خمسة عشر يوماً من تأريخ المصادقة على النتائج.

الثاني: للحيلولة دون اللجوء مرةً أخرى إلى ما يُعرف بـ(الجلسة المفتوحة)،التي تبقى مفتوحةً بلا أمدٍ زمنيٍ محددٍ، والتي قضت المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستوريتها.

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!