كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

أبو ثمامة الصائدي في واقعة الطف

هو عَمْرو بن عبدالله بن كعب الصائدي ويكنى بأبي ثمامة ينتمي إلى قبيلة همدان وهي قبيلة عربية قحطانية يمانية، عُرفت في مواقفها الإيجابية المميزة في نصرة الإسلام والأخذ بوصايا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في أهل بيته عليهم السلام، وقد كانت مواقفهم حافلة في نصرة الإمامة الحقة والأئمة الهداة، وقد شكلت قبيلة همدان العمود الفقري لجيش الإمام علي( عليه السلام) إذ كانوا أكثر أهل الكوفة ولاءً وعدداً وكان حضورهم مفصلياً في معركتي الجمل وصفين حيث قاتلوا بشجاعة وصمودٍ تحت راية الإمام عليّ، وفي أحد مواقف صفين التي اشتد فيها حمى الوطيس طلب الإمام من قبيلة همدان مواصلة القتال وحسم المعركة فلبّوا نداءه بشجاعة منقطعة النظير فغيروا مسار المعركة في ذلك اليوم وقد شكر الإمام علي موقفهم وأثنى عليهم .

ويظهر من بعض الأخبار أن أبا ثمامة بالأصل ينتمي إلى بني صائد، وهي بطن عشيرة من (مذحج) ولكنها دخلت في حلف مع همدان وأصبحت تُحسب منهم، هذا الأمر كان شائعاً جداً في النظام القبلي العربي، حيث تدخل قبيلة أو عشيرة في حلف مع قبيلة أكبر وأقوى وتصبح جزءاً من نسيجها السياسي والعسكري فالقبيلة الكبيرة تضم بطون من عشائر مختلفة، وقبيلة مذحج أيضاً كانت لا تقل صلابة وولاءً عن همدان إذ كان للمذحجيين حضور فعّال وقوي في جيش الإمام علي (ع) خلال معركتي الجمل وصفين،
وقد قاتلوا ببسالة وشجاعة، وكانوا تحت قيادة شخصيات بارزة مثل مالك الأشتر النخعي وزياد بن النضر الحارثي، فالمحصلة عندما يُقال إن أبا ثمامة "همداني" فالمقصود أنه من حلفاء همدان ومن ضمن نسيجها الاجتماعي والعسكري في الكوفة، وهو ما يفسر كما سيأتي بيانه في تكليفه لقيادة ربع تميم وهمدان، في محاولة تشكيل قوة عسكرية لما وصل ثقة وسفير الحسين مسلم بن عقيل للكوفة.

أما قصة إسلام همدان ذكرها المؤرخون في تواريخهم، فقد ذكر الطبري في تاريخه قصة إسلامهم على يد الإمام علي عليه السلام وقعت في السنة العاشرة للهجرة النبوية حيث أرسله النبي صلى الله عليه وآله إلى اليمن في سرية بعد أن فشلت مهمة خالد بن الوليد في هدايتهم للإسلام قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالداً (يرجعه ويرده)، وقال: مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب ومن شاء فليقبل؛ قال البراء: فكنت فيمن عقب (بقي) مع علي، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلى بنا علي، ثم صفنا صفاً واحداً بنا علي، ثم تقدم بين أيدينا، وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان جميعاً، فكتب عليّ إلى رسول الله بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خرَّ ساجداً، ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان، السلام على همدان ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام)1 وقدمت وفودهم إلى المدينة المنورة.


وفي هذا السياق من الولاء نشأ أبو ثمامة الذي يُعد من التابعين، ولا يوجد تاريخ محدد لسنة ولادته، ولكن كما ذكر الشيخ الطوسي أنه من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وممن قتل مع الحسين (عليه السلام) في واقعة كربلاء .

ويمكن إيضاح دور أبي ثمامة الصائدي في موقفينِ خالدين .

الموقف الأول مع مسلم بن عقيل لما وصل للكوفة لأخذ البيعة للإمام الحسين، كان أبو ثمامة أحد المبادرين لقيادة جيش مسلم بن عقيل من قبائل بني همدان وتميم روى الطبري عن أبي مخنف قال(وَعَقَدَ [مسلم بن عقيل] لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَزِيزٍ الْكِنْدِيِّ عَلَى رَبْعِ كِنْدَةَ وَرَبِيعَةَ، وَقَالَ: سِرْ أَمَامِي. وَعَقَدَ لِمُسْلِمِ بْنِ عَوْسَجَةَ الأَسَدِيِّ عَلَى رَبْعِ مَذْحِجٍ وَأَسَدٍ، وَقَالَ: انْزِلْ فِي النَّاسِ. وَعَقَدَ لأَبِي ثُمَامَةَ الصَّائِدِيِّ عَلَى رَبْعِ تَمِيمٍ وَهَمْدَانَ. وَعَقَدَ لَعَبَّاسِ بْنِ جَعْدَةَ الْجَدَلِيِّ عَلَى رَبْعِ الْمَدِينَةِ)2 بل ذكر أبو مخنف "أن أبا ثمامة الصائدي كان يقبض الأموال من الشيعة، ويشتري لهم السلاح، وكان بصيراً بذلك"3 وهذه شهادةٌ تاريخية على خبرته العسكرية التي تتجاوز مجرد القتال إلى معرفة أنواع الأسلحة وتقييمها وشرائها وهي مسؤولية حساسة لا تُعطى إلا لمن هو أهل للثقة وموقع الاعتمادية والخبرة .

الموقف الثاني في كربلاء حيث كان عدد من الشهداء من بني همدان، وكان منهم عمرو بن عبد الله المكنى بأبي ثمامة الصائدي. كان أحد المواقف البارزة والبطولية قبيل المعركة أنّه كشف بخبرته الأمنية والعسكرية ممَّن عُرف عنه أسلوب الغدر والجرأة على سفك الدماء وهو كُثير بن عبد الله الذي أرسله عمر بن سعد للقاء الإمام والتحدث معه (لمّا نزل الإمام الحسين عليه السّلام كربلاء يوم الثاني من المحرّم، ونزلها عمر بن سعد وقد عقد تحت رايته ستةَ آلاف فارس وتكامل عسكره مع باقي الرايات ثمانين ألفَ فارس من أهل الكوفة نازلين قريباً من عسكر الحسين عليه السّلام.. بَعَث ابنُ سعد إلى الإمام الحسين عليه السّلام كُثَيرَ بن عبدالله الشعبيّ ـ وكان فاتكاً ـ فقال له: إذهَبْ إلى الحسين وسَلْه ما الذي جاء به! قال كثير: اسأله، فإن شئتَ فتكتُ به. قال عمر بن سعد: ما أريد أن تفتك به، ولكن أريد أن تسأله
فأقبل كُثَير الشعبيّ إلى الإمام الحسين عليه السّلام.. فلمّا رأه أبو ثمامة الصائديّ قال للحسين عليه السّلام:
ـ أصَلَحك الله يا أبا عبدالله، قد جاءك شرُّ أهل الأرض وأجرأُهم على دمٍ وأفتَكُهم!
ثمّ قام أبو ثُمامة إلى كُثَير قائلاً له: ضَعْ سيفَك.
قال كثير: لا ولا كرامة، إنّما أنا رسول، فإن سَمِعتُم منّي أبلغتُكم ما أُرسلتُ به إليكم، وإن أبيتُمُ انصرَفَتُ عنكم.
فقال له أبو ثمامة: فإني آخذُ بقائمِ سيفِك، ثمّ تكلّمْ بحاجتك.
قال: لا والله ولا تَمسُّه!
فقال أبو ثمامة له: فأخبِرْني بما جئت، وأنا أبلّغُه عنك، ولا أدَعُك تدنو من الحسين؛ فإنك فاجر!
قال الراوي: فاسْتَبّا.. ثمّ رجع كثير إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر، فأرسل ابنُ سعد قُرّةَ بن قيس التميميّ الحنظليّ مكانه، فكلّمَ الحسينَ عليه السّلام)4

وفي الختام في ذروة المعركة ظهر يوم عاشوراء لواقعة الطف حين اشتد القتال، وحان وقت صلاة الظهر توجه أبو ثمامة الصائدي إلى الإمام الحسين (عليه السلام) قائلاً: (يا أبا عبدالله، نفسي لنفسك الفداء، إنّي أرى هؤلاءِ قد اقتربوا منك، ولا واللهِ لا تُقتَلُ حتّى أُقتَلَ دونك إن شاء الله، وأُحِبّ أن ألقى اللهَ ربّي وقد صلّيتُ هذه الصلاة التي دنا وقتُها.

فرفع الإمام الحسين عليه السّلام رأسَه الشريف إلى السماء، ثمّ قال: ذكرتَ الصلاة، جَعَلَك اللهُ من المصلّينَ الذاكرين، نَعَم، هذا أوّلُ وقتها)
(سَلُوهم أن يكفُّوا عنّا حتّى نصلّي)5 ثم قال (عليه السلام) لزهير بن القَين وسعيد بن عبد الله الحَنَفي: تقدّما أمامي حتّى أُصلّيَ الظهر فتقدما أمامه من نصف أصحابه حتى صلى بهم صلاة الخوف.

وخرج أبو ثُمامة الصائديّ فقال للإمام الحسين (عليه السلام) وقد صلّى: يا أبا عبد الله، إنّي قد هَمَمتُ أن ألحقَ بأصحابي، وكَرِهْتُ أن أتخلّفَ وأراك وحيداً مِن أهلِك قتيلاً، فقال له سيّدُ الشهداء (عليه السلام): «تَقَدّمْ؛ فإنّا لاحقون بك عن ساعة». فتقدّم أبو ثمامة كأنّه أسدٌ يجوب في ساحة المعركة، فقاتل قتالاً شديداً حتّى أثخن بالجراحات، وكان مع عمر بن سعد ابن عمّ لأبي ثمامة يُقال له «قيس بن عبد الله الصائديّ»6، وكان بينه وبين أبي ثمامة عداوة، فشدّ قيسٌ على أبي ثمامة فقتله، فنال أبو ثمامة بُغيتَه وأُمنيّتَه، والتحق في ركب قافلة الشهداء السعداء سلام الله تعالى عليهم .
___________

(1) الحديث عن البراء بن عازب انظر: أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ج 30، ص 362، حديث رقم 18503؛ الطبري، تاريخ الرسل والملوك،ضمن أحداث السنة العاشرة ج3-ص131-132 والبيهقي، دلائل النبوة، دار الكتب العلمية، ج 5، ص 395؛ وابن كثير، البداية والنهاية، دار إحياء التراث العربي، ج 5، ص 105

(2) محمد بن جرير (المتوفى 310 هـ)، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار المعارف، ج 5، ص 368 -
ابن مسكويه، أحمد بن محمد (المتوفى 421 هـ)، تجارب الأمم وتعاقب الهمم، تحقيق: أبو القاسم إمامي، طهران: سروش، ج 2، ص 43.

(3) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار المعارف، ج 5، ص 356.

(4) المفيد، محمد بن محمد النعمان (المتوفى 413 هـ)، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، تحقيق: مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث، قم: المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ج 2، ص 86- الطبري، محمد بن جرير (المتوفى 310 هـ)، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار المعارف، ج 5، ص 414..

(5) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار المعارف، ج 5، ص 439.

(6) ابن الأثير، عز الدين (المتوفى 630 هـ)، الكامل في التاريخ، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، بيروت: دار الكتاب العربي، ج 3، ص 430-
الخوارزمي، الموفق بن أحمد (المتوفى 568 هـ)، مقتل الحسين، تحقيق: محمد السماوي، قم: دار أنوار الهدى، ج 2، ص 24.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!