كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

مقتل قيس بن مُسهّر الصيداوي

قيس بن مُسهّر الصيداوي من خلّص أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) ومن أولئك الثقات الذين كلفهم الإمام في مهمات تخص أحداث قضية الكوفة وسفارة مسلم بن عقيل، وقد أدى قيس بن مسهّر نشاطات بالغة التأثير والأهمية، كما اتسم بالشجاعة والأمانة، وكان في ذروة الإيمان والإخلاص العالي كما يصفه الميرزا النوري في المستدرك، مضافاً للخبرة والموثوقية التي اتصف بها، والمقبولية التي كان يحظى بها عند شيعة أهل الكوفة. وهذه السمات والمزايا الرفيعة حدت بالإمام الحسين أن يختاره كأحد المرافقين لمسلم بن عقيل في رحلته نحو الكوفة، لخبرته في الطريق أولاً وخبرته في شؤون الكوفة ثانياً، ودوره الفاعل والمؤثر في مناصرة النهضة الحسينية ثالثاً.

​قال الطبري في أحداث سنة 60 هجرية: «ثم دعا [الحسين بن علي] مسلم بن عقيل فسرّحه مع قيس بن مُسهّر الصيداوي، وعمارة بن عبد الله السلولي، وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي، وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجل إليه بذلك.» [1] وهذا بطبيعة الحال يعكس الثقة العالية التي أولاها إياه الإمام الحسين عليه السلام.

​الأمر الآخر حينما وصل الإمام لمكان يسمى (الحاجر) من هذا المكان تشير النصوص المتظافرة أن الإمام الحسين كلّف قيس بن مسهّر بايصال رسالة لسفيره مسلم بن عقيل في الكوفة، وقد ذكر الحموي في معجم البلدان أن (الحاجر) وهو منزل من منازل طريق مكة إلى الكوفة، ويقع في "بطن الرُّمّة" [2]. وفي تاج العروس الحاجر مكان بطريق مكة. الرّمة: وادٍ معروفٌ بعالية نجد، وبطن الرمة: منزلٌ لأهل البصرة إذا أرادوا المدينة، وهو مكان يجتمع فيه أهل البصرة والكوفة.

​حيث جاء في كتاب الإمام:

​«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من الْحُسَيْن بن علي إِلَى إخوانه من الْمُؤْمِنِينَ والمسلمين، سلام عَلَيْكُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لا إِلَهَ إلا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فِيهِ بحسن رأيكم، واجتماع ملئكم عَلَى نصرنا، والطلب بحقنا، فسألت اللَّه أن يحسن لنا الصنع، وأن يثيبكم عَلَى ذَلِكَ أعظم الأجر، وَقَدْ شخصت إليكم مِنْ مَكَّةَ يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فاكمشوا امركم ووجدوا، فإني قادم عَلَيْكُمْ فِي أيامي هَذِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، والسلام عَلَيْكُمْ ورحمة اللَّه وبركاته»[3]

​وكما يظهر أن الكتاب تضمن تفاصيل لأسماء من شخصيات أهل الكوفة وتوصيات لها علاقة بالنهضة كما سيأتي - قبل ذلك لا بد من بيان تعريف موجز لشخصية قيس بن مصهّر ورحلته البطولية المضمخمة بالتضحية والفداء.

​هو قيس بن مُسَهّر بن خُليد بن جندب بن منقذ بن عمرو بن قُعين بن الحرث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي الصيداوي. ينحدر من أرومة عربية عريقة، حيث يمتد نسبه إلى بني أسد بن خزيمة، وهي من القبائل التي سجل التاريخ حضورها الفاعل في الأمصار الإسلامية الأولى [4]. وتُعد "صيداء" التي يُنسب إليها بطناً كريماً من بطون بني أسد؛ ولهذا السبب دأبت بعض المصادر التاريخية والسيرية على إدراجه ضمن قائمة شهداء بني أسد الأبرار، اعتزازاً بانتمائه القبلي وتضحياته الجسيمة [5].

​المحطة الأولى لقيس بن مسهّر بدأت:

​بعد امتناع الإمام الحسين (ع) عن بيعة يزيد بن معاوية في المدينة المنورة، وخروجه منها إلى مكة المكرمة في رجب سنة 60 هـ، حينما توالت على الإمام في مكة كتب أهل الكوفة ووفودهم التي تطالبه بالقدوم لقيادتهم ونصرتهم، وقد نصّت المصادر التاريخية:

«ثم لبثوا يومين، وأنفذوا قيس بن مسهر الصيداوي وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي وعمارة بن عبد الله السلولي، ومعهم نحو مائة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والأربعة... وتواترت الكتب حتى اجتمع عنده في نوب متفرقة اثنا عشر ألف كتاب»[6]

​حيث بلغ عدد الكتب التي وصلت في البداية مراحل متكاثرة حملها أفراد وجماعات.

ولإدارة هذه الاتصالات اعتمد الإمام الحسين (ع) على نخبة من سفرائه الأكفاء الذين تميزوا بالحكمة والشجاعة والخبرة، ويظهر من خلال استقراء النصوص التاريخية أن إرسال الرسل تمت عبر مرحلتين أساسيتين، المرحلة الأولى في تلقي الرسائل الأولى، وهذه بدايتها كانت حينما وصل الإمام لمكة: حيث حمل قيس بن مسهّر الصيداوي وآخرون الحزم الأولى من رسائل الكوفيين إلى الإمام الحسين في مكة [7]. المرحلة الثانية مرحلة الردود والوفود خلال هذه المدة، والأهم الخطوة العملية الحاسمة في مرافقته لمسلم بن عقيل مع وفد من وجهاء الكوفة.

​جاء مقطع في كتاب الإرشاد وغيره، أن الكتاب الذي حمله قيس بن مسهر للإمام الحسين جاء فيه طلب أن مسلم بن عقيل طلب الإعفاء من مهمة الذهاب للكوفة قائلاً: (أما بعد، فإني خرجت من المدينة مع دليلين فجارا عن الطريق وتاها، فماتا عطشاً... وقد استطيرتُ من ذلك، فإن رأيتَ أعفيتني وبعثت غيري)[8] وهذا المقطع مخالف لوصف الإمام في كتابه لأهل الكوفة الذي قال فيه بحق شخص مسلم بن عقيل بأنه: « أنا باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي» ومراد الثقة في لسان المعصوم بلوغ الرتبة العالية من اليقين والثبات. كما أن المقطع تضمن أن مسلم بن عقيل تشائم وتطير، وقد ورد في النصوص النبوية النهي عن التشاؤم كقوله (ص) « لا طيرة في الإسلام» فالاستطارة من فعل الجاهلية وكيف ومسلم بن عقيل سليل بيت النبوة والتربية العلوية، فمن البعيد وغير المتصور بحقه أن مسلم يبني عليها موقفاً وهو الفقيه العالم بأحكام الشرع، مضافاً أن المقطع الوارد مخالف للثابت التاريخي حيث تميزت شخصية مسلم بن عقيل برباطة الجأش والشجاعة حيث قاتل جيشاً بأكمله، وصعد قصر الإمارة ولم يرتعد أو يتراجع، فلا يناسب بحقه طلب الاستعفاء والنص المذكور عن الإمام الحسين « أما بعد خشيت أن ألاّ يكون حملك على الكتاب إليَّ في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن فامض لوجهك الذي وجهتك له، والسلام»، وقد حمل بعضهم أن ذلك من باب تعريض بالواقع لا الوصف للحال، أي أن الإمام أراد أن يقطع الطريق على أي وهم بالضعف. وبعضهم عدّ هذه الزيادة من وضع الرواة، فيما أوضح الشيخ عباس القمي في منتهى الآمال بوجود تهافت بين النص المذكور وبين السيرة العملية لمسلم بن عقيل سلام الله عليه.

​ويمكن التذكير أن المؤرخين اختلفوا في تشخيص هوية الرسول الذي أناط به الإمام عليه السلام مهمة حمل كتابه إلى مسلم بن عقيل وأهل الكوفة، ودار الأمر بين الشهيد قيس بن مسهّر والشهيد عبد الله بن يقطر، وانقسمت أقوال المؤرخين والعلماء والباحثين إلى ثلاثة أصناف: صنف جزم بأنه قيس بن مُسهّر كالدينوري في الأخبار الطوال، وابن سعد في طبقاته، وابن شهر آشوب في المناقب، والبلاذري في الأنساب، وابن نما الحلي في مثير الأحزان، وابن الأثير في الكامل، وصنف رأى أن الرسول هو عبد الله بن يقطر كما جاء في بعض مرويات الطبري عن أبي مخنف والبلاذري في الأنساب، والصنف الثالث تردد أو ذكر كلا الأمرين كالطبرسي في أعلام الورى والفتال النيسابوري في روضة الواعظين[9]، وقد حار بعض الباحثين في توجيه الروايات يبدو ذلك راجع بسبب تضارب بعض المرويات، بعضها تقول أن عبد الله بن يقطر استشهد مع الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه يوم عاشوراء في كربلاء، وهذا ما ذكره ابن حبان في الثقات، وابن الجوزي في المنتظم، وابن كثير في البداية والنهاية وغيرهم - وهذا ما سنحققه لاحقاً في شخصية الشهيد عبد الله بن يقطر -، وكيف ما كان، فالأصح والأرجح ما اختاره بعض الباحثين من أن عبد الله بن يقطر استشهد في الكوفة يريد الخروج منها وهو يحمل رسالة مسلم بن عقيل الذي تم اعتقاله من قبل جلاوزة عبيد الله بن زياد، بينما قيس بن مسهّر الصيداوي تم اعتقاله خارج الكوفة يريد الدخول إليها وهو يحمل كتاب الإمام الحسين عليه السلام.

​المحطة الثانية: الاعتقال والشهادة

​قال الطبري: وأقبل قيس بن مسهر الصيداوي به إلى الكوفة بكتاب الحسين، حتى إذا انتهى إلى القادسية أخذه الحصين بن تميم فبعث به إلى عبيد الله بن زياد، فقال له عبيد الله: اصعد إلى القصر فسب الكذاب ابن الكذاب- يعني به الإمام الحسين عليه السلام- فصعد ثم قال: أيها الناس، إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله، ابن فاطمة بنت رسول الله، وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجز، فأجيبوه، ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعلي بن أبي طالب. قال: فأمر به عبيد الله بن زياد أن يرمي به من فوق القصر، فرمي به، فتقطع فمات.

​وفي رواية الشيخ المفيد قال: فأقبل قيس بن مسهر إلى الكوفة بكتاب الحسين (عليه السلام) حتى إذا انتهى إلى القادسية أخذه الحصين بن نمير، وعلى رواية السيد أراد أن يفتشه فأخرج قيس الكتاب فخرقه.

​فبعث به إلى عبيد الله بن زياد، فلمّا وصل إليه قال له اللعين: من أنت؟.

​قال: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وابنه.

​قال: فلماذا خرقت الكتاب؟.

​قال: لئلّا تعلم ما فيه.

​قال: وممن الكتاب وإلى من؟.

​قال: من الحسين (عليه السلام) إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم.

​فغضب ابن زياد وقال: لا والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم أو تصعد المنبر فتلعن الحسين بن علي وأباه وأخاه وإلا قطعتك إرباً إرباً.

​فقال قيس: أمّا القوم فلا أخبرك بأسمائهم، وأمّا لعن الحسين وأبيه وأخيه فأفعل.

​فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي (صلى الله عليه وآله) وأكثر من الترحم على عليّ والحسن والحسين صلوات الله عليهم، ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه ولعن عتاة بني أمية عن آخرهم، ثم قال: أيها الناس أنا رسول الحسين (عليه السلام) إليكم وقد خلفته بموضع كذا فأجيبوه، فأخبر ابن زياد بذلك فأمر بإلقائه من أعالي القصر، فألقي من هناك فمات.

​وفي رواية أخرى أنّه: وقع إلى الأرض مكتوفاً، فتكسرت عظامه وبقي به رمق فجاء رجل يقال له: عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه[10].

​وعندما وصل خبر استشهاد قيس بن مسهّر الصيداوي إلى الإمام تأثر عليه كثيراً واستعبر باكياً وقال: «منهم من قضى نحبه، ومنهم مَن ينتظر وما بدلوا تبديلاً. اللهم اجعل لنا ولهم الجنة نُزلاً، واجمع بيننا وبينهم في مستقرٍّ من رحمتك ورغائب ثوابك»

وفي خبر آخر أن الإمام عليه السلام استعبر باكياً وقال: «اللهم اجعل لنا ولشيعتك منزلاً كريماً عندك، واجمع بيننا وإياهم في مستقر رحمتك، إنك على كل شيء قدير»[11]. السلام على قيس يوم ولد ويوم استُشهد ويوم يُبعث حياً في ركاب محمد وآله الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

​[1] تاريخ الطبري، الطبري، ج 5، ص 355.

[2] معجم البلدان، ياقوت الحموي، مادة (الحاجر).

[3] تاريخ الطبري، الطبري، ج 5، ص 389 (بتفاوت يسير).

[4] جمهرة أنساب العرب، ابن حزم الأندلسي، ص 195.

[5] تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام، فضيل بن الزبير، ص 15.

[6] تاريخ الطبري، الطبري، ج 5، ص 352 / الأخبار الطوال، الدينوري، ص 238.

[7] أنساب الأشراف، البلاذري، ج 3، ص 367.

[8] الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، الشيخ المفيد، ج 2، ص 69.

[9] مجلة الإصلاح الحسيني، العدد الرابع، ص 139.

[10] مقتل الحسين، أبو مخنف الأزدي، ص 64 / الإرشاد، الشيخ المفيد، ج 2، ص 70.

[11] اللهوف في ققتل الطفوف، السيد ابن طاووس، ص 41

✦ كتابات في الميزان ✦

يستعرض المقال سيرة قيس بن مسهّر الصيداوي، أحد أوثق رسل الإمام الحسين (عليه السلام)، ودوره المحوري في الاتصال بأهل الكوفة ومرافقة مسلم بن عقيل. وقد جسّد قيس أسمى معاني الأمانة حين أتلف الرسالة حفاظًا على أصحابها، ثم حوّل منبر السلطة إلى صوت لنصرة الحسين وفضح الظلم. فكانت شهادته صورةً خالدة للثبات على المبدأ، والوفاء للرسالة حتى اللحظة الأخيرة.

قيس_بن_مسهر.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!