قال أمير البلاغة علي بن ابي طالب (ع) الناس أعداء ما جهلوا، كثير من الناس ممن لم يكونوا حاضرين ببداية أزمة المشهد السوري، حيث كانت البروباغندا الإعلامية التابعة لأطراف داعمة للمعارضة السورية ومنها قنوات إخبارية معروفة ولها شهرة واسعة ولديها أدوات تقنية ساعدت على نشر مواد ساهمت في اضلال الناس منها على سبيل المثال: استعمال مواد طلاء الجدران ( الصبغ الأحمر) حيث تم وقتها اختراق أجهزة بعض عناصر المعارضة المتشددة، وهو كيف أنهم كان يسكبون هذا الطلاء على اجسام اشخاص معهم تظاهروا بأنهم أصيبوا بطلقات نارية وانهم قتلوا على أيدي عناصر النظام السابق، وعلى هذا فقس على مثال ذلك الكثير من هذه الدعاوي المفبركة، واضع للقارئ شهادة عيان على ذلك تبقى مسجلة للتاريخ.
قبل أربعة عشر عاماً وتحديدا أواخر عام 2011م، كنا نعيش بدايات الأزمة في سوريا التي بدأت في العقد الثالث من الشهر الثالث ذلك العام ، خرجت أتبضع بعض الحاجيات للمنزل مما هو متوفر بالبلدة التي أقيم فيها لأن الحصار مطبقاً على المنطقة حصار الجيش العربي السوري التابع للنظام وحصار الفصائل المتشددة (التكفيرية) لكل من يتحرك من المدنيين لأنهم كانوا يخشون من خرق ما من قبل الأهالي ، المهم ذهبت إلى السوق وكانت المظاهرات والاشتباكات في أوجها طبعا في مناطق محصورة لم تكن بعد قد توسعت بكامل المدينة فكنا نتطرف ونتحاشى المرور من تلك الأحياء لكن مع ذلك كنا نسمع أصوات اطلاق الرصاص والصراخ ، قمت بأخذ ما يمكن اخذه وأردت العودة إلى منزلي سمعت الصراخ والتكبير يقترب من الشارع الذي أمشي به ، وإذا ببعض الفتية يحثون الخطى ويقولون لقد أمسكنا بأحد أزلام النظام ( ضابط من الجيش التابع للأسد) الله أكبر ، الله أكبر، وتعالت التكبيرات حتى من الشرفات المترامية على الجانبين في هذا الشارع ، ثم مر مجموعة من العناصر المتشددة ومعهم رجل يرتدي البزة العسكرية ، فلمحت وجهه وكانت ملامحه تشير على أنه سوري وأغلب ظني أنه من شمال غرب سوريا تقريبا من أهل الساحل( وهو من أهل العامة) وهم كثر بالساحل السوري، حثثت المسير والعودة إلى منزلي الذي يبعد تقريبا واحد كيلوا متر أو أزيد قليلاً لأن منزلي في اطراف البلدة ، في المساء جلست أمام منزلي وكان عدة رجال من أهل الحي يجلسون ويتحلقون حول نار قد أشعلوها للحصول على الدفيء ، لأن البلدة وما حولها تعاني من انقطاع التيار الكهربائي بشكل تام ، واعتاد الناس بالجلوس خارج منازلهم وجمع الحطب واشعالها، جلست معهم استمع إلى حواراتهم ، طبعا المنطقة كلها تتبع المذاهب السنية ، وتحديدا المذهب الحنبلي ، وبتفرع عنهم السلفية، والمذهب الشافعي قليلا، والجماعة الذي جلست معهم كبار بالسن بين نوعا ما ، بادر أحدهم فقال: سمعتم اليم ما جرى بالبلد يقصد التي نقيم فيها ، قال ا(الثوار) أنهم ألقوا القبض على أحد الضباط وهو من (الروافض) أي الشيعة، فكان الجمع بين مستغرب وبين مؤيد، وتعالى الكلام هؤلاء الشيعة هؤلاء كذا ، وكذا فابتدر أحدهم فقال لي أبو علي أنت ذهبت بالنهار للتسوق ، فهل سمعت بشيء ؟!! فقلت نعم سمعت ورأيت مجموعة من العناصر ممسكين برجل يرتدي ( لباس الجيش) ويبدو انه برتبة ضابط ، لكن لا اعلم عن عقيدته شيء، فأصرّ المتكلم على أن الضابط شيعي ، طبعا لم يكن هناك أية مشاركة للشيعة لا بالجيش ولا بالمظاهرات لا من قريب ولا من بعيد ، وطبعا الجمع الذي جلست بينهم لا يعلمون أني شيعي ذلك الوقت، تلك الأيام كان لا بد لهم من حشر أسم الشيعة في تلفيقاتهم وذلك لغاية في أنفسهم، بعد ساعة تقريبا جاء أحد جيراني ويدعى أبو قاسم وبيده سلاح ورفش لتقليب التراب ( كريك) جاء على دراجته ومعه شخص آخر، وكان وجهه القاتم من سوء عمله يضحك فرحاً فسأله أحد الجالسين : خيرا أين كنت يا أبا قاسم ، فقال: كنت أدفن بعض عناصر الجيش العربي السوري - طبعا هو لا يقول ذلك بل يقول أزلام النظام- فسألوه من أين هم علوية أم شيعة أم ماذا ؟!! فقال: لا بل هم أبناء اعمامي من عشيرتي ، فبادرته أبناء عمك؟؟ قال نعم من عشيرتي ( العكيدات) كانوا عساكر بالخدمة الإلزامية طلبنا منهم الانشقاق عن الجيش فلم يقبلوا فقتلناهم جميعا وعددهم 12 عشر شاباً !! وقد انتهيت من دفنهم قبل قليل وعدت اليكم لأكمل السهر معكم، في اليوم الثاني حدثت بعض الاشتباكات بالمنطقة وتكررت الشعارات ( العلوي على التابوت ، والمسيحي على بيروت)، وقامت المعارضة ببث ادعاءات أنهم اكتشفوا أن هناك قناصة يتبعون لإيران والعراق وحزب الله اللبناني ، وهذا كله عار عن الصحة ، لأن لم تكن الفصائل الموالية قد تدخلت في المشهد، وكما فعل اخوة يوسف بأخيهم وجاؤوا على قميصه بدم كذب، جاؤوا ببعض الأشخاص من أصول اسيوية وحتى لبنانية تتبع المنهج السلفي، فارتدوا لباس الكذب على الناس والقول انهم مبعوثين من فلان دولة وفلان حركة ، نعم كان هناك عناصر شيشانية وأوكرانيا وتركستانية وقوقازية ، لا يجيدون اللغة العربية ـ وكلامهم اعجمي، وأهل المنطقة لا يتقنون هذه اللغات الأعجمية ، فيأتي أحد المغرضين، ويقول هؤلاء فرس أو إيرانيين ( روافض)، ومرة يقولون من جماعة الحزب بلبنان( شيعة)، وهي مجرد دعاوي كاذبة ومضللة أرادوا تجييش اتباعهم وبيئتهم ، ومازال التضليل والكذب على الناس إلى الآن ، وهنا لست ممن يحسبون على هذا الجانب أو ذاك، ولست من أهل السياسة ورجالاتها ولا أسعى لها لكنها قراءة لمشهدية كنت حاضراً عليها بتمامها أواخر عام 2011م وبداية 2012م قبل خروجي من المنطقة، وفي الجعبة الكثير من مشاهداتي.
والحمد لله أولا وآخراً.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!