كان من ضمن هذا البعض الذي لم يهادنه الحبر ولا تستقر لديه المحبرة ، تخذله كلما اقترب من الحقيقة. يضطر ليكتب بما تبقّى منه.
في غرفةٍ ضيّقةٍ لا تتّسع إلا لسريرٍ متعب وطاولةٍ فقدت إحدى قوائمها، عاش “سالم”؛ كاتبٌ لم تعد رفوف المكتبات تعرف اسمه، ولا الصحف تفتح له أعمدتها، ولم يعد قلبه يعرف من أين يبدأ الألم. النافذة الوحيدة في غرفته تطلّ على جدارٍ آخر، ٍ رماديٍّ يشبه تمامًا تلك الافكار التي تستقر ّبداخله يوم آلف المحبرة.
يؤمن سالم أن الكتابة خلاص، اكتشف متأخرًا أنها أيضًا شكلٌ آخر من أشكال النزف. خاصة حين يختلط الحبر بالدم والدم بالحبر تصير لديه المحبرة شريان ذابل،
في بداياته، كان يكتب بشغفٍ طفلٍ يكتشف اللغة للمرة الأولى. الكلمات تطيعه، تتزاحم لتخرج، تلمع، وتُدهش. نُشر قصصه الأولى، صفقوا له، وعدَّوه من كتاب المستقبل الزاهر ، هكذا كتب عنه ناقد اعرج ،قال: هذا صوت مختلف.و لم يكن يعلم أن الاختلاف في هذا العالم تهمة مؤجلة، وأن الصدق عملة نادرة لا يحتملها السوق طويلًا.
عمل محررًا، ثم كاتب ظل، ثم ناسخ أفكار لا تشبهه. كتب ما لا يؤمن به ليعيش، وصمت عمّا يؤمن به ليبقى. ومع كل تنازل، كانت قطعة صغيرة منه تسقط دون صوت. حتى صار كاملًا بنظر الآخرين، فارغًا في نظر نفسه.
في إحدى الليالي، جلس أمام الورقة البيضاء. حدّق فيها طويلًا.
لم يخف منها، بل خجل. شعر مرارا بان المحبرة تسخر منه ،
قال بصوتٍ مكسور: — ماذا تبقّى لأكتبه؟
الورقة خرساء لسانها في عينيها ، هاجس يلكزه بان ثمة مؤآمرة بين المحبرة والورقة ،تذكّر والده، العامل البسيط الذي كان يقول له:،حين تكتب احترم ذاتك فلا تكذب على نفسك… الصدق حقيقة الانسان الحر.” ابتسم سالم بمرارة. أدرك أن مشكلته لم تكن التعب، بل الهروب منه .في تلك الليلة، لم يكتب قصة، ولم يبدأ رواية. كتب سطرًا واحدًا فقط:
أنا متعب.
توقّف.
تنفّس.
وشعر لأول مرة منذ سنوات أن شيئًا ما عاد إلى مكانه الصحيح.
في الأيام التالية، لم يبحث عن ناشر، ولم يفكّر في الجوائز، ولم يسأل عن القرّاء. كتب ليُنقذ نفسه، لا ليُقنع أحدًا. كتب عن الخيبات الصغيرة، عن الخوف من الفشل، عن الرغبة في الاختفاء، عن الكرامة التي تُنتهك بصمت، عن الكاتب الذي خان قلمه ليُطعم أيامه. عن المحبرة ، بالمناسبة نسيت ان اخبرك بان المحابر انواع منها تستبدل حبرها بماء اذا هادن كاتبها الحياة ومنها تستبدل حبرها دما اذا جاد العناد بصرخة،
لم يكن لديه مداد، لكنّ الكلمات خرجت داكنة، صادقة، موجعة.
حين انتهى، لم يطبع الرواية، لم يرسلها لأحد. وضعها في درج الطاولة المكسور، وأغلقه بهدوء. كان يعلم أن العالم قد لا يقرأها أبدًا، لكنّه قرأ نفسه أخيرًا.
في صباحٍ مختلف، خرج سالم من غرفته. الشمس لم تكن أبهى، والشارع لم يتغيّر، والدنيا لم تصبح أرحم…
لكنه لم يعد يحمل ذلك الثقل القديم.
لم يعد كاتبًا ينتظر اعتراف أحد.
صار إنسانًا يكتب ليبقى.
وهكذا، عاش سالم بقية عمره كاتبًا بلا مداد…
لكن بقلبٍ لم يعد صامتًا. كمحبرة فارغة

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!