كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الحسين... سنواتٌ في ذاكرة الطريق

 لم تكن أول خطوة وضعتها على طريق الإمام الحسين (عليه السلام) مجرد بداية رحلة، بل كانت بداية عمر جديد لم أكن أعرف أنني سأعيشه حتى آخر أنفاسي. خرجت يومها شابًا يملؤني الفضول أكثر مما يملؤني الفهم، وكنت أظن أنني ذاهب إلى كربلاء كما يذهب الناس إلى أي مدينة يقصدونها، لكنني ما إن قطعت خطواتي الأولى حتى أدركت أنني لم أكن أمشي على تراب الأرض، بل كنت أمشي فوق تاريخ كُتب بالدم، وفوق دعاء ملايين العاشقين الذين سبقوني، وفوق دموع الأمهات وآهات الآباء وأحلام الأطفال الذين وجدوا في الحسين وطنًا لا تُغلق أبوابه.

منذ تلك اللحظة تغيّر كل شيء في داخلي، ولم أعد الشخص الذي خرج من بيته. آنذاك وُلدت ولادة أخرى لم تشهدها أمي، بل شهدها طريق الحسين.

كنت في سنتي الأولى أراقب كل شيء بدهشة طفل يرى الدنيا لأول مرة. كنت أتأمل المواكب، وأستغرب كيف يستطيع إنسان أن يقف ساعات طويلة ليقدم كوب ماء إلى شخص لا يعرف اسمه ولا بلده، وكيف تستطيع امرأة عجوز أن تكنس الطريق وهي تبتسم، وكأنها تكنس قلبها قبل أن تكنس التراب، وكيف يستطيع طفل صغير أن يحمل كؤوس الماء وهو يلهث من التعب، ثم يبتسم في وجه كل زائر.

كنت أتعجب من هذا العالم الذي لا يشبه أي عالم آخر؛ فلا أحد يسأل: من أنت؟ ولا ماذا تعمل؟ ولا كم تملك؟ ولا بأي لغة تتحدث؟ السؤال الوحيد الذي يتكرر على ألسنة الجميع: هل تحتاج شيئًا يا زائر الحسين؟ «عساك ما تعبت؟».

ومضت الأعوام، وصار الطريق يعرف وجهي كما أعرف أعمدته. أصبحت أحفظ أماكن المواكب، وأتذكر وجوه الخادمين، وأنتظر دعاء تلك العجوز التي كانت تقف كل عام عند المكان نفسه، ترفع يديها إلى السماء وهي تقول: «اللهم احفظ زوار الحسين».

كنت إذا غابت في سنة سألت عنها، وإذا رأيت طفلًا كان يخدم في صغره ثم رأيته شابًا يحمل راية الخدمة، شعرت أن الزمن لا يمر هنا كما يمر في باقي أيام الدنيا؛ فالأعمار تكبر، أما الحب فيبقى شابًا لا يعرف الشيخوخة.

ومرت سنوات أخرى، فتزوجت، وصار لأولادي مكان في هذا الطريق. كنت أمسك أيديهم خوفًا عليهم من الزحام، ثم مضت الأيام، فإذا بهم يمسكون بيدي خوفًا عليّ من التعب. يومها أدركت أن العمر يبدّل الأدوار، لكنه لا يبدّل العشق.

رأيت في أعينهم الشوق نفسه الذي كان يسكنني وأنا في مقتبل العمر، فعرفت أن حب الحسين لا يُورث بالكلمات، ولكن تورثه الخطوات، وأن الطفل الذي ينشأ على طريق الأربعين يكبر وقلبه معلّق بكربلاء قبل أن يعرف معنى المدن والحدود.

كل سنة كنت أتعلم درسًا جديدًا؛ تعلمت من الصغير أن الخدمة لا تُقاس بالعمر، وتعلمت من الشيخ الذي تجاوز الثمانين أن الجسد قد يضعف، أما القلب فلا يشيخ إذا تعلّق بالحسين، وتعلمت من شاب كفيف كان يمشي مطمئنًا وهو يقول: «إنني أرى الطريق بقلبي، أما الأبصار فقد تخطئ، لكن القلوب إذا أضاءها الحسين فلن تضل أبدًا».

عندها فهمت أن هذا الطريق ليس طريق أقدام، بل هو طريق بصائر، وأن الذين يصلون إلى كربلاء ليسوا بالضرورة أولئك الذين قطعوا المسافات، بل الذين استطاعوا أن يقطعوا المسافة بين قلوبهم وبين الله.

وفي كل عام كنت أقف أمام قبة الحسين (عليه السلام)، فأشعر أن شيئًا من أعباء الدنيا يسقط عن كتفي. كنت أجيء محمّلًا بالهموم، وأعود محمّلًا بالسكينة. كنت أدخل الحرم إنسانًا، وأخرج إنسانًا آخر.

لم أكن أطلب مالًا ولا منصبًا ولا جاهًا، ولكن كنت أطلب قلبًا لا يبتعد عن الحسين؛ لأنني أدركت مع مرور السنوات أن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة في حياته، لكنه إذا خسر حب الحسين فقد خسر نفسه.

ثم بدأت خيوط الشيب تتسلل إلى رأسي، وصارت العصا رفيقة خطواتي بعد أن كانت قدماي تحملانني بخفة الشباب. كنت في الماضي أحمل حقائب الشيوخ، فإذا بالشباب يحملون حقيبتي، وكنت أساعد المتعبين على الوقوف، وإذا بالأيدي تمتد إليّ كلما شعرت بالإرهاق.

لم أشعر بالحزن لأن العمر تقدم، بل شعرت بالامتنان لأنني عشت طويلًا حتى رأيت كيف يصنع الحسين أجيالًا تخدم أجيالًا، وكيف يربّي الطريق أبناءه حتى يصبح كل زائر أبًا لكل زائر آخر.

وفي إحدى الزيارات جلست على جانب الطريق بعدما أنهكني التعب، فاقترب مني شاب لا أعرفه، وأمسك بيدي وقال: «اليوم دعنا نرد لك شيئًا مما قدمته لهذا الطريق».

لم أكن أعرفه، لكنه كان يعرف أنني واحد من عشاق الحسين، وكان هذا وحده كافيًا ليحملني بقلبه قبل أن يحملني بيديه. يومها أدركت أنني كنت أظن أنني أخدم طريق الحسين، لكن الحقيقة أن طريق الحسين هو الذي كان يخدمني، وكان يربيني، وكان يداوي جراحات الحياة في كل عام.

وحين أثقل المرض جسدي، وجاءت سنة لم أستطع فيها المشي، وقفت عند نافذة بيتي أراقب الزائرين، ولم أشعر أنني بعيد عنهم. كنت أسمع أصواتهم، وأشم رائحة الطريق، وأحس أن قلبي يمشي بينهم وإن بقي جسدي عاجزًا عن اللحاق بهم.

عندها فهمت أن الوصول الحقيقي ليس وصول القدم إلى كربلاء، بل وصول القلب إلى الحسين، وأن العشق الصادق لا توقفه المسافات ولا تعجزه الأمراض.

واليوم، بعدما مضت عشرات السنين، إذا سألني أحدهم: ماذا وجدت في طريق الحسين؟ لا أجد جوابًا يسع كل ما في قلبي، فأقول له: وجدت نفسي هناك.

تعلمت أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يقدم، ولا بما يجمع، وإنما بما يبذل، ولا بعدد السنين التي عاشها، ولكن بعدد المرات التي عاد فيها إلى الله بقلب أنقى وروح أطهر.

لقد أخذ طريق الحسين من عمري أعوامًا كثيرة، لكنه منحني عمرًا لا يُقاس بالسنين، ومنحني إخوة لم تلدهم أمي، وذكريات لا يستطيع الزمن محوها، وأملًا لا ينطفئ مهما اشتدت ظلمة الدنيا.

وإذا كتب الله لي أن أرحل، فلن أحزن على شيء كما أحزن على انقطاع خطواتي عن هذا الطريق؛ ولذلك يبقى دعائي الأخير هو نفسه الذي رددته منذ أول زيارة: «اللهم ما دامت في صدري أنفاس، فلا تحرمني من طريق الحسين، فإذا انقطعت أنفاسي فاكتب اسمي مع الذين ساروا إليه حبًا، واجعل آخر ما ينطق به لساني: السلام عليك يا أبا عبد الله».

✦ كتابات في الميزان ✦

ترسم الكاتبة سيرة عمرٍ نضج على طريق الإمام الحسين (عليه السلام)، منذ دهشة الخطوة الأولى حتى ثقل المرض وعجز الجسد عن مواصلة المسير. ويكشف النص أن طريق الأربعين ليس مسافةً تقطعها الأقدام فحسب، بل مدرسة إنسانية تتوارث فيها الأجيال الخدمة والمحبة والبذل. وبين الشباب والشيخوخة يبقى الحسين حاضرًا بوصفه وطنًا للروح وطريقًا يعيد الإنسان إلى نفسه وإلى الله بقلب أكثر صفاءً.

908.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!