كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

أقدام تمشي إلى الوضوح

 في العادة يُقال إن الخطى تتعب لكنها في مسيرة العزاء لا تتعب بل تتطهّر إنّها ليست مجرّد أقدام تمشي، بل هي قلوب تتجلّى في هيئة أقدام، تتقدم بثبات نحو كربلاء كأنّها تعرف وجهتها منذ الأزل، وكأنّها وُلدت لتصل. ما أعجب هذا الطريق، كلما طال ازداد فيه العابر وضوحًا، لا تعبًا وكأن كربلاء ليست نهاية المسير ، بل بدايته حيث تكتشف من أنت ولماذا خُلقت ولمن يجب أن تمشي

في الطريق من البحر إلى الحسين لا يتشابه أحدٌ مع أحد، فلكلّ زائر نية ولكل قدم قصة ولكل خطوة همسة ومع ذلك يشتركون جميعًا في أنهم يمشون نحو الوضوح ترى في المسيرة من يمشي وقد لبس ثيابه البيضاء كأنه يمشي إلى لقاء، لا إلى مقام ترى من وضع التراب على رأسه ومن يحمل عصاه بصعوبة، لكنه لا يقبل الركوب ويقول "الحسين يستحق أن نمشي إليه ولو حبواً"
كل هؤلاء الذين يمشون لا يسيرون فوق الأرض فحسب، بل فوق تاريخ طويل من الانتماء. هم لا يمرّون على المدن، بل تمرّ المدن فيهم. تمرّ قراهم وتعبهم وهمومهم وذكرياتهم في كل واحد منهم حكاية وفي كل حكاية صفحة من عاشوراء أحدهم يمشي وقد نذر أن لا يرتدي نعلاً حتى يصل وآخر وضع على صدره لافتة كتب عليها "أنا نذرت خطايَ للإمام العباس"
الأقدام التي تمشي لا تفكر كم تبقّى من المسافة، بل تفكّر كيف تُقرّب نفسها من مقام الحسين هم لا يسألون عن الطعام، ولا عن الظل ولا عن الراحة بل يسألون أين يُقرأ المقتل؟ أين نُقيم صلاة الجماعة؟ أين نخدم الزائرين؟ كأنّ المسير يُعيد ترتيب أولوياتهم لا أحد في هذا الطريق يسير عبثًا وإن بدا صامتًا، فلكلّ صمت لغة، ولكلّ دمعة ترجمان
الغريب أن البعض لا يعرف الكثير من تفاصيل كربلاء، لكنه يعرف أن قلبه هناك. لا يعرف كل أسماء الشهداء لكنه يشعر أن كل شهيد يعرفه لا يعرف وجه الحسين كما يُرسم، لكنه يحفظ صوته في وجدانه، حين نادى "هل من ناصر؟" لذلك فإن كل خطوة على هذا الطريق هي جواب حيّ لذلك النداء وكلّ من يمشي مهما كانت نيّته فإنه يُكتب في قوائم العشاق
الوضوح لا يأتي دفعة واحدة، بل يتشكّل شيئًا فشيئًا مع كل شبر تقطعه ربما يصل الزائر إلى كربلاء ويداه فارغتان، لكن قلبه ممتلئ ربما لا يملك شيئًا يهديه لكنه يعود وقد أهدي إليه كل شيء. إن الأقدام التي تمشي إلى كربلاء، لا تعود كما كانت. بعضها يعود بشفاء وبعضها يعود بتوبة وبعضها لا يعود أبدًا، لأنه اختار أن يدفن نفسه هناك، بين دموع العباس وظل القبر الشريف
هؤلاء الذين يمشون لا يعرفهم الإعلام كثيرًا ولا تُسلّط عليهم الأضواء لكنّهم أعمدة الطريق وجمره، وسرّه إنهم جنود الحسين لا يحملون سلاحًا لكنهم يملكون اليقين وأقدامهم تشهد أنهم عرفوا الحقيقة فمضوا إليها ومضى معهم الوضوح .

✦ كتابات في الميزان ✦

يرسم النص صورة وجدانية لمسيرة الزائرين إلى كربلاء، حيث تتحول الأقدام المتعبة إلى قلوب تمضي نحو الحسين (عليه السلام) باليقين والمحبة. فلكل زائر نية وحكاية، لكنهم يجتمعون في تلبية النداء الحسيني وتجديد الانتماء إلى قيم عاشوراء. إنها رحلة لا تُقاس بطول الطريق، بل بما تُحدثه في النفوس من وضوح وتوبة وتغيير؛ لأن السائر إلى كربلاء لا يعود كما كان.

اقدام تمشي.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!