ليس الجسرُ في المدنِ مجردَ إسفلتٍ معقودٍ فوق ماء.
أحيانًا يكون الجسرُ ذاكرةً تمشي، وجرحًا يتعلم كيف يعبر، وسؤالًا مفتوحًا بين ضفّتين من الزمن.
هكذا هو جسر الأئمّة في بغداد:
ليس طريقًا بين ضفةٍ واخرى ، بل طريقًا بين قلبٍ وقلب، وبين تاريخٍ ما زال ينزف، وحاضرٍ يتعلّم كيف لا ينسى.
هذا الجسر لا يعرف الحياد.
كلُّ حجرٍ فيه منحاز، وكلُّ خطوةٍ عليه تحمل ثقل قرونٍ من الصبر.
هنا، لا تعبر الأقدام وحدها،
تعبر معها الأدعية، والندوب، وصوت الأمهات اللواتي ما زلن يقلن لأبنائهن:
«انتبه… هذا طريق الشهداء».
سمّي جسر الأئمّة لأنّه يشدُّ طرفيه إلى مقامين عظيمين:
الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام ،
والإمام محمد الجواد عليه السلام
لكن التسمية أعمق من الجغرافية.
إنه جسرٌ بين مدرستين من الصبر:
صبرُ السجن، وصبرُ العمر القصير الذي أثقلته المسؤولية.
هو جسرٌ يؤدي لإمامين، نعم،
لكنه في الحقيقة جسرٌ بين فكرتين:
أن تُسجَن من أجل الحق،
وأن تُستنزَف من أجل الهداية،
وأن يبقى الطريق واحدًا مهما تغيّرت الأزمنة.
حين تمشي عليه، لا تشعر أنك فوق نهر دجلة فقط،
بل فوق نهرٍ آخر:
نهرٍ من الدموع المؤجَّلة.
كم موكبٍ مرّ من هنا وهو يحمل عزاءه؟
كم نعشٍ عبر وهو لا يزال يسأل: لماذا؟
وكم صدرٍ ضاق، ثم اتّسع على هذا الجسر لأنه لم يجد مكانًا آخر ليبكي؟
جسر الأئمّة لا يروي الحكاية بصوتٍ عالٍ.
هو لا يرفع لافتة تقول: هنا حدثت المأساة.
لكنه يهمس لكل عابر:
“أنا أعرف ما لا تعرف”.
يعرف أسماء الذين سقطوا في الزحام،
ويعرف عدد الخطوات التي لم تكتمل،
ويعرف أيَّ دمٍ اختلط بدجلة ولم يعد إلى جسده.
في مواسم الزيارة،
يتحوّل الجسر إلى صدرٍ مفتوح.
الناس تمشي ببطء،
ليس لأن الطريق مزدحم،
بل لأن القلوب مثقلة.
هناك من يعبر وهو يحمل صورة أبيه،
ومن يعبر وهو يحمل خوفه،
ومن يعبر وهو يحاول أن يقنع نفسه أن الفاجعة لن تتكرر.
لكن الجسر، بصمته العميق، لا يَعِدُ أحدًا بشيء،
هو فقط يفتح ذراعيه ويقول:
“اعبروا… فهنا يلتقي الألم بالإيمان”.
هذا الجسر لم يُبنَ ليصل ضفّتين فقط،
بل ليمنع الضياع.
في مدينةٍ أنهكها التمزّق،
صار هو الخيط الذي لا ينقطع.
شيعة وسنّة،
زائرون ومقيمون،
أطفال وعجائز،
كلهم يعبرون من هنا.
وحين تطأ أقدامهم هذا الجسر،
يسقط عنهم شيء من الانقسام،
كأن الجسر يفرض على الجميع أن يكونوا بشرًا قبل أن يكونوا أيّ شيء آخر.
جسر الأئمّة هو امتحان بغداد اليومي.
إما أن تعبره وأنت تحمل روحك،
أو تعبره وتترك شيئًا منك خلفك.
هو ليس ممرًا،
هو مرآة.
يريك من أنت،
ويريك كم بقي فيك من إنسانية.
وحين تغيب الشمس،
ويخفت الضجيج،
يبقى الجسر واقفًا،
مثل شيخٍ عجوز رأى أكثر مما ينبغي.
يسند ظهره على دجلة،
وينظر إلى القبتين المضيئتين،
كأنه يقول لهما:
“ما زال الناس يأتون…
ما زال الطريق حيًّا”.
جسر الأئمّة ليس قطعة من الخرسانة،
هو قطعة من قلب العراق.
من يعبره لا يصل فقط إلى جهةٍ أخرى من بغداد،
بل يصل إلى طبقةٍ أعمق من نفسه،
حيث الألم لا يُنسى،
لكنّه يتحوّل إلى معنى.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!