أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه(٠٠٠ - ٤٢١ هـجرية = ٠٠٠ - ١٠٣٠ ميلادية)، مؤرخٌ وباحث، أصله من الري وسكنَ أصفهان وتوفي بها.
كان يشتغل بالفلسفة والكيمياء والمنطق مدة من الزمن، ثم أولع بالتاريخ والأدب والإنشاء.
وكان قيِّما على خزانة كُتُب ابن العميد، ثم كُتُب عضد الدولة ابن بويه، لذلك لُقّب بالخازن، ثم اختص ببهاء الدولة البويهي وعظم شأنه عنده.
قال عنه أبو حيان في جملة وصفه له: (لطيف الألفاظ، سهل المأخذ، مشهور المعاني شديد التوقي، ضعيف الترقي، يتطاول جهده ثم يقصر).
حياته:
ولد ابن مسكويه في الري حوالي سنة 330 هجرية ومات في 9 صفر سنة 421 هجرية (16 فبراير سنة 1030 ميلادية) في أسرة شريفة. نزح إلى بغداد شاباً. وهناك اتصل بالوزير المهلبي حوالي سنة 348 هجرية ودخل في خدمته ككاتمٍ لسره، وبقي إلى جانبه ينادمه ويسامره حتى عام 352 هجرية، حين توفي الوزير. عاد بعد ذلك إلى الري والتحق بخزانة الوزير ابن العميد ونال ثقته ومحبته وصداقته، وبقي معه حتى سنة 360 هجرية لينتقل إلى خدمة ولده الوزير أبي الفتح. وقد بقي في خدمته حتى دخل الوزير السجن سنة 366 هجرية. فالتحق بخدمة عضد الدولة الذي استولى على بغداد، كما التحق بعده بخدمة صمصام الدولة وشرفها حتى سنة 379 هجرية إذ دخل فيه في خدمة بهاء الدولة واختص به وعظم قدره عنده. وهكذا كان ابن مسكويه ينتقل من خدمة وزير إلى سلطان حتى هرم. فلما شعر بدنو أجله، انتقل إلى أصبهان حيث مات سنة 421 هجرية.
العصر الذي عاش فيه:
عاش ابن مسكويه في العصر العباسي حيث شدة ضعف الخلافة العباسية، وقيام دويلات لا يعترف أكثرها للخليفة بغير السلطة الاسمية. عاش ومات ابن مسكويه في كنف الدولة البويهية 320 - 447 هجرية. وكان ملوكها يحبون العلم والأدب ولا يستوزرون أو يستكتبون إلا عظماء الأدباء مثل المهلبي وابن العميد وابن عبّاد وغيرهم. وكانت مجالسهم دائما حافلة بكبار الشعراء والعلماء والفلاسفة. لذلك امتاز هذا العصر بنضج العلم، وتكوين المعجمات اللغوية، واستقرار الإنشاء على أسلوب مثالي. ونمت الفلسفة وازدهرت، واستقرت قواعد الطبيعيات والطب. كما اتسع خيال الشعراء، وظهر الشعر الفلسفي، ونما فن التاريخ والجغرافيا، وظهر النقد الأدبي، وألفت القصص المجازية، وانتشرت المكاتب التي كانت تحوي ألوف المخطوطات. فظهر في ذلك الحين علماء وأشخاص أفذاذ من أمثال ابن سينا، وابن مسكويه والهمذاني والخوارزمي والمتنبي وأبي فراس الحمداني والأصفهاني والقالي والثعالبي والتوحيدي والصابي والشريف الرضي والتنوخي والطبري.
ثقافته:
وقد تجلت ثقافة ابن مسكويه فيما ترك من عهد عاهد فيه نفسه أن يجاهدها ويتفقد أمرها قدر استطاعته. فكان يعفّ ويشجع ويحكم، ويقتصد في مآرب بدنه كي لا يحمله السرف على ما يضر جسمه أو يهتك مروءته.
المعلم الثالث:
ويقال إن ابن مسكويه لُقّبَ بالمعلم الثالث(1) لما أداه من دورٍ فذٍّ في إعادة بناء الفلسفة اليونانية في الأخلاق وجمع أشتاتها وتمحيصها وترصيص أركانها، بصورة لم يزد عليها أي مصنف صنف في فلسفة الأخلاق حتى زماننا هذا.
فلسفته:
كان ابن مسكويه يتبع مذهب أرسطو في الفلسفة، ويركز اهتمامه على تهذيب النفس. فهو يرى أن الطريق إلى الفلسفة يبدأ بالأخلاق وليس بالمنطق حيث يبحث عن قوى النفس وملكاتها لسلوك سبيل الفضيلة. أما سعادة الانسان فتكمن في بلوغ كماله من حيث هو انسان، فتصدر عنه أفعاله مبتدئا بأموره الخاصة ومنتهيا بالتدبير المدني بين الناس ليسعدوا سعادة مشتركة. ويقصد ابن مسكويه أن الانسان يبدأ بالتربية الذاتية مجاهدا نفسه بالتحلي بالعفة والشجاعة والحكمة، ثم يحقق العدالة من خلال الدعوة إلى التمسك بالشريعة وقوة الأمل والثقة بالله.
ويقول ابن مسكويه إن باستطاعة الانسان أن يكتسب الخلق الجميل ويصلح فساد الأخلاق. ويعتقد أن نفس الطفل صفحة بيضاء سريعة القبول لكل ما ينقش عليها، لذلك يجب تعويد الطفل منذ الصغر على الافعال المحمودة ومنعه من مخالطة قرناء السوء. كما يرى ألا يُكاشَف الطفل حول خطأ ارنكبه، بل يتغافل عنه ولا يعاقب عليه الا اذا كرر ذلك. وينبغي أن يُشجَّع الطفل إذا أحسن العمل. كما شدد على أهمية الرياضة والألعاب لآنها تحفظ الصحة وتبعد الكسل وتطرد البلادة وتبعث النشاط وتذكي النفس.
مؤلفاته:
يذكر له السيد حسن الأمين في (المستدرك على أعيان الشيعة) أكثر من ثلاثين مصنفا. فقد ألف عدة كتب نافعة، منها (تجارب الأمم وتعاقب الهمم) في التاريخ، انتهى به إلى السنة التي مات فيها عضد الدولة سنة ٣٧٢ هجرية. ويشتمل على مادة تاريخية مفيدة وخاصة فيما يتعلق بالحياة الاجتماعية والاقتصادية للدولة العباسية. ويدل العنوان على النزعة العلمية للتعرف على أسباب الحوادث وما أسفرت عنه من نتائج من أجل الاعتبار.
ومن كتبه (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق) و(كتاب السعادة) و(طهارة النفس) و(آداب العرب والفرس) و(الفوز الأصغر) في علم النفس، و(ترتيب
السعادات) في الأخلاق، وله (رسالة في ماهية العدل) و(نديم الأحباب وجليس الأصحاب) و(الحكمة الخالدة) نقله إلى العربية الحسن بن سهل أخو ذي الرياستين، وتممه أحمد بن مسكويه إذ أضاف إليه حكم الفرس والهند والعرب والروم. وقال في مقدمته بعد البسملة: (قال أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه). وله (الأدوية المفردة) و (الأشربة) وغير ذلك.
ومن كتبه أيضا (الهوامل والشوامل) الذي يحتوي أسئلة أبي حيان التوحيدي له- أي لابن مسكويه. ومن كتبه أيضا (تجارب الأمم وتعاقب الهمم)، وقد ترجمه إلى الانكليزية المستشرق مرجيليوث وحاول فيه تحديد مولد ابن مسكويه، ويليه ذيل كتاب تجارب الأمم، للوزير أبي شجاع محمد بن الحسين الملقّب ظهير الدين الروذراوري. وله أيضا كتاب (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق).
أقوال العلماء فيه:
أخرج الفيلسوف الاسلامي ابن مسكويه للناس دستوراً إيجابياً أخلاقياً طريفاً قوامه المنطق الصحيح والذوق السليم، بحيث لو تبعوه في حياتهم لنالوا به السعادة الحق في الدنيا والآخرة. وقد نصح محمد عبده بتدريس كتابه (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق) في الأزهر إلى جانب كتاب (الإحياء) للغزالي.
من أشعاره:
مخاطبته لابن العميد بقوله:
لا يـعـجـبـنـك حـسـن الـقـصـر تـنـزله * فـضـيـلـة الـشـمـس لـيـسـت فـي مـنـازلـهـا
لـو زيـدت الـشـمـس فـي أبـراجـهـا مـائـة * مـا زاد ذلـك شـيـئـاً فـي فـضـائـلـهـا
أو قوله لعميد الملك:
فـانـظـر إلـى سـيـر الـقـوم الـذيـن مـضـوا * والـحـظ كـتـابـتـهـم مـن بـاطـن الـكـتـب
تـجـد تـفـاوتـهـم فـي الـفـضـل مـخـتـلـفـاً * وإن تـقـاربـت الأحـوال فـي الـنـسـب
هـذا كـتـاج عـلـى رأس يـعـظـمـه * وذاك كـالـشـعـر الـجـافـي عـلـى الـذنـب
ابن مسكويه وابن خلدون:
لو كان المعيار علميا، لكان ذُكر ابن مسكويه أكثر من ذكر ابن خلدون. فقد سبق ابنُ مسكويه ابنَ خلدون بقرون وأخذ ابنُ خلدون عن ابنِ مسكويه كثيرا. لكن للأسف لم يكن المعيار علميا.
...............................................................................................................
(1) يُطلق لقب المعلم الثالث في عمومه على ابن سينا. وهنا يطلق على ابن مسكويه في مجال الأخلاق تحديدا.
المصادر:
- المستدرك على أعيان الشيعة للسيد حسن الأمين
- الأعلام للزركلي
- الموسوعة العربية الميسرة الجزء الرابع

التعليقات
يوجد 1 تعليق على هذا المقال.
تصحيح