كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

 الشيخ مكارم الشيرازي في الأمثل ومفاهيم عن اللعب واللهو والبسل والعدل

 الشيخ مكارم الشيرازي في الأمثل ومفاهيم عن اللعب واللهو والبسل والعدل
 
الرسالة:
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (الأنعام 70) الذين اتّخذوا الدّين لعبا: هذه الآية تواصل ما بحثته الآية السابقة، وتأمر رسول الله صلَّ‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم أن يدع أولئك الذين يستهينون بأمر دينهم، ويتخذون ممّا يلهون ويلعبون به مذهبا لهم ويغترون بالدنيا وبمتاعها المادي: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا. بديهي أنّ الأمر بترك هؤلاء لا يتعارض مع قضية الجهاد، فللجهاد شروط، ولإهمال الكفار شروط أخرى، وكل واحد من هذين الحالين يجب أن يتحقق في ظروفه الخاصّة، قد يستلزم الأمر ـ أحيانا ـ دفع المناوئين عن طريق عدم الاعتناء بهم، وفي أحيان أخرى قد يقتضي الأمر الجهاد والتوسل بالسلاح، أمّا القول بأنّ آيات الجهاد قد نسخت هذه الآية فغير صحيح. وتشير هذه الآية إلى أنّ سلوكهم الحياتي من حيث المحتوى أجوف وواه، فهم يطلقون اسم الدين على بعض الأعمال التي هي أشبه بلعب الأطفال ومجمون الكبار، فهؤلاء غير جديرين بالمناقشة والمباحثة، وعليه يؤمر النّبي صلَّ‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم بأن يعرض عنهم ولا يعتني بدينهم الفارغ. يتضح ممّا قلنا أنّ (دينهم) يعني (دين الشرك وعبادة الأصنام) الذي كانوا يدينون به، أمّا القول بأنّ المقصود هو (الدين الحق) وإنّ إضافة الدين إليهم يستند إلى كون الدين فطريا، فيبدو بعيد الاحتمال. والاحتمال الآخر في تفسير الآية هو أن القرآن يشير إلى جمع من الكفار الذين كانوا يتعاملون مع دينهم كألعوبة وملهاة، ولم ينظروا أبدا إلى الدين كأمر جاد يستوجب إمعان الفكر والتأمل، أي أنّهم كانوا لا يؤمنون حقيقة حتى في معتقدات شركهم، ولم يقيموا وزنا حتى لدينهم الذي لا أساس له.

وعن البسل يقول الشيخ الشيرازي في تفسيره الآية الأنعام 70: على كل حال فالآية لا تخص الكفار وحدهم، بل هي تشمل جميع الذين يتخذون من الأحكام الإلهية ومن المقدسات وسائل للتلهي وملء الفراغ وبلوغ الأهداف المادية الشخصية، أولئك الذين يجعلون الدين آلة الدنيا، والأحكام الإلهية العوبة أغراضهم الخاصّة. ثمّ يؤمر الرّسول الله صلَّ‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم أن ينبّههم إلى أعمالهم هذه وإلى أنّ هناك يوما لا بدّ لهم أن يستسلموا فيه لنتائج أعمالهم ولن يجدوا من ذلك مفرا: وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ. (البسل) هو حفظ الشيء ومنعه بالقوة والقهر، والإبسال حمل المرء على التسليم، كما تطلق الكلمة على الحرمان من الثواب، أو أخذ الرهائن، والجيش الباسل بمعنى القاهر الذي يحمل العدو على التسليم، والمعنى في الآية هو تسليم المرء وخضوعه لأعماله السيئة. يوم لا شفيع ينفع ولا ولي سوى الله: لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ (الأنعام 70).

وعن مفهوم العدل في الآية المباركة جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: إنّهم يومئذ في حال صعبة مؤلمة يرزحون في قيود أعمالهم بحيث إنّهم يرتضون أن يدفعوا أية غرامة (إن كان عندهم ما يدفعونه) ولكنّها لن تقبل منهم: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها. (العدل) بمعنى (المعادل) وهو ما يدفع جزاء وغرامة لقاء التحرر، وهو أشبه في الواقع بما يفتدى به. ذلك لأنّهم يكونون بين مخالب أعمالهم، ولا فدية تنجيهم، ولا توبة تنفعهم بعد أن فات الأوان: أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا. (الأنعام 70) ثمّ يشار إلى جانب ممّا سيصيبهم من العذاب الأليم بسبب إعراضهم عن الحق والحقيقة: لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ. إنّهم يتعذّبون بالماء الحريق من الداخل، ويكتوون بنار الجحيم. يجدر الانتباه هنا إلى أن جملة أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا هي بمثابة السبب الذي يمنع من قبول الغرامة ومن قبول أي شفيع وولي، أي أن عقابهم ليس لعلة خارجية بحيث يمكن دفعها بشكل من الأشكال، بل ينبع من داخل الذات وسلوكها وأعمالها، إنّهم أسرى أعمالهم القبيحة، لذلك لا مفر لهم، لأنّ فرار المرء من أعماله وآثارها إنّما هو فرار من ذاته، وهو غير ممكن. غير أنّنا لا بدّ أن نعلم أنّ هذه الحالة من الشدّة والصعوبة وانعدام طريق العودة ورفض الشفاعة إنّما تكون بحق الذين أصروا على كفرهم واستمروا عليه، كما يتبيّن من عبارة: بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (الفعل المضارع يفيد الاستمرارية).

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!