كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

على شرفات المساء

على شرفات المساء

 استيقظت من قيلولتي ، نظرت إلى الساعة المشدودة على معصمي  

كانت تشير إلى الخامسة عصراً 
جلست بسرعة....!
وقلتُ:- الحمد لله لم أبق نائما إلى العيلولة-
هيأتُ نفسي ، لنزهة قصيرة في البستان المجاور لبيتنا  
في قرية الحمزة (المحيلة)  في أبي الخصيب
مشيتُ بهدوء ، أتأمّل وجوه الفلاحين :(ياسين أبو طه ،عبود أبو صادق ، جليل طه ،منصور) كانت وجوههم ساطعة ،بصفاء التعب ، وبهاء الجد ونقاء المثابرة .
فجأة ..وأنا أنظر إليهم ..وأنقل خطواتي، على أهداب الحشائش
رأيتُ المساء ..يلملم نفسه ، يشرق بين حافة البستان 
ثمّ دنا قريباً منّي
 - تذكّرْ يا أيّها الذي يلمّ في كلماته الربيع ، أنّي أنا المساء 
أرجوك دع ْعلى درب القصائد أقدامي ...!-
ابتسمتُ في وجهه وقلتُ :
- نقّل خطاك كما تشاء... فالطريق طويل 
ستنمو بين جنبيك ، بعد قليل ،ألوف النجوم 
وسيعانق جيدك ضوء القمر 
وفي نهاية الطريق ،ستقابلك بكل موّدة، ضحكة الفجر الفضيّة – 
- أأنتَ ترى ذلك ...كأنّ صوتك بلا صدى ..؟ 
- نعم أنا أرى ذلك
فأنتَ تمتلك الف قدم وتستطيع السير، وتنتصب  بقامتك بين الارض والسماء- 
اقترب منّي كثيراً ..
رفع رأسه إلى الأعلى ، يتأمّل النخيل الباسقات 
فجأة طارت حمامة هنا.. وحطّتْ هناك أخرى.. 
تلفّتَ يميناً ..يساراً ..ثمّ راح يقترب، من شجرة التفاح
- أرجوك أسمحي لي ..أن أستند عليك قليلاً  ، فقد طوّقني التعب-
لم يسمع صوتاً منّها، ولكنّه فسّر :"أنّ السكوت من الرضا" 
استند عليها  قطف ورقة منها ،وبدأ يتفحصها .. - اه أنّها جميلة ..!- 
دار على نفسه ، وكأنّه بفضاء متلبد بالغيوم 
تقدّم نحوي قليلاً ،كان يبدو مضطرباً، يخفي سرائر حبّه ويقول :
انا المساء العاقل ، بكل  افكاري المتجددة
أرى كيف تتنفّس الأرض ،وعلى قدميها غبار السنوات 
وأحاديث الناس، وخطواتهم في كل سبيل..! 
ولكنّي مع كل هذا تنتابني هواجس ، سأحدّثك عنها بعد قليل – 
سكتَ قليلاً 
وقد أومأ لي قائلاً : سأجلس تحت شجرة الياسمين 
نظرتُ اليه .. وتلفّتُ بحسرات  ، وكادتْ عيوني تطفح بالدموع 
وصدري بأوجاع الذكريات 
- يا سيدي  أيّها المساء الجنوبيّ 
أبتعد كثيراً ،عن هذه الشجرة  ،فهي لي، ولتلك التي أحبّها من سنين 
كما أحبّ قريتي، وقهوة الصباح ،كنّا معا نجلس تحتها سعيدين-  
أبتعد عنها قائلاً:
آسف ،أعتذر.. ولكنّي لديّ سؤال لو سمحتَ ...1 
– تفضّل بكل سرور..!
 قال لي مقطّبا : 
- ماذا لو كنت صباحاً ..بدلاً من المساء ..؟
 هذا سؤالي أيكون بلا جواب..؟ 
- أكيد يا سيّدي ستشرب الندى ، وتأكل خبز التنور الساخن 
مع الشاي المهيّل، بنعناع أبي الخصيب، فالأرض تدور ...تدور 
والأمل يمتدّ ...يمتدّ ، وستسمع يا سيّدي صوت الأمهات ..
صوت الحنين الداعي ، فكل الأبناء  يستيقظون صباحاً 
للتوجّه للمدارس  أليس كذلك ..؟ ،وترى العصافير مغرّدة 
كأنها في مهرجان ، مرحبة بضياء الشمس ،والآفاق تحلّق فيها الطيور
بحثاً عن طعام  لصغارها وترى العالم كلّه حركة – 
تأمّلني قليلاً  ..
رجع إلى الوراء ..حدّق في السماء 
 قال : أحسنتَ  يا صديق الطيور الجميلة
لكنّي على شرفاتي فوق غصون الأشجار
تبوح العصافير أسراها الغالية  
وعلى عطور أزهاري ، يجتمع العشاق  فرحين 
يمتلكون أجنحة من خيال  وعاطفة تمشي بهم زماناً ..زمانا  
ويرسمون قلوبهم ،وهي تبتسم لغد أجمل  - 
- كلامك صحيح ..أيّها المساء العاقل   - 
حدّق في وجهي وقال :
– سأحمل في جسدي ، تفاصيل يوم جديد 
 سأراك غدا يا صاحبي – 
نظرتُ إليه، رأيته يلملم فلول أذياله  
 سمعته يقول:
- وهو يبتسم-: وداعاً 
ومضى يسدل كل ستائره على الآفاق 
 ثم ّ سمعتُ صوته من بعيد يردد : قم .. قم يا صاحبي  "الله أكبر.. الله أكبر"
وعدْ لبيتك  فقد حل فينا الغروب  ،وحان وقتُ الصلاة  ، وعدـتُ خاشعاً 
وأنا أردّدُ  :
"إنّ الله وملائكته يصلون على النبيّ 
يا أيّها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا  تسليما"                 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!