كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

خداعُ الدنيا ونعيمُ الآخرة

نقل عن الإمام علي (عليه السلام)
 أنّهُ رأى جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) وقد تنّفس الصعداء، فقال (عليه السلام) : "يا جابر على ما تنّفسك... أعلى الدنيا؟" فقال جابر: نعم، فقال له: "يا جابر، ملاذُ الدنيا سبعة: المأكول، والمشروب، والملبوس، والمنكوح، والمركوب، والمشموم، والمسموع،
فألذُّ المأكولات العسل، وهو بصقٌ من ذبابة،
وأحلى المشروبات الماء،
وأعلى الملبوسات الديباج، وهو من إفرازات دودة، 
وأعلى المنكوحات النساء، وهو مَبالٌ في مَبال، ومثالٌ لمثال، وإنما يُراد أحسنُ ما في المرأة لأقبحِ ما فيها،
وأعلى المركوبات الخيل، وهي قواتل،
وأجلّ المشمومات المسك، وهو دمٌ من سُرّة دابة،
وأجلّ المسموعات الغناء والترنّم، وهو إثم". 
بحار الأنوار، ج75، ص11.
حديثٌ، كعادة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام أجمعين)، يكشف لنا حقيقةً كثيرًا ما نغفل عنها، ونحن نتسارع خلف بهرجة الدنيا وزخارفها متسابقين، نظنّ أنّ السعادة بجمعها والتمتّع بها، وأنّ الراحة كامنةٌ في الحصول عليها لكنّ النصّ الشريف يقتلع هذا الظن من جذوره، ويُعيد توجيه قناعاتنا نحو ما حولنا؛ فكلّ ما نراه جميلًا، مرغوبًا، لذيذًا، إنّما هو في جوهره شيءٌ متواضعٌ لا يستحق كلّ هذا العناء، بل قد يكون ممّا نستقذره إذا أبصرنا أصله، فتتهتزُّ القناعة، وتُفنَّدُ النظرة.
فالعسل الذي يُعدّ من أطيب المأكولات، واثمنها ما هو إلا أثرٌ من مخلوقٍ صغير، والمسك الذي تُفتن به الأنوف، وتتفاخر به الملوك، إنّما هو دمٌ في أصله، والديباج الذي يتباهى به ويغتر، إنَّما خرج من إفرازات دودة، وهكذا تتكشّف أمامنا صورة الدنيا: زينةٌ ظاهرها البهاء والثناء، وباطنها الفناء والخواء.
قال الله (تعالى): "إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ" [الحديد:20].
ولعلّ أقسى ما في الحديث هو  بيان أنّ الإنسان قد يطلب أفضل ما في الشيء مع أنّه مرتبطٌ بأدنى ما فيه في دليل على أنّ التعلّق الأعمى يُفقد الفرد بصيرته، ويجعله أسيرًا لنزوة مؤقّتة وزائفة.
إنّ الرسالة الأعمق هنا ليست في تحريم هذه الملذّات، ولا في الدعوة إلى تركها كلّياً، بل في تحرير القلب منها، والزهد فيها، وألّا تكون هي الغاية، بل مجرّد وسيلة عابرة في سلوكِ طريقٍ أطول، وغاية أسمى، قال الله (تعالى): "وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى" [الأعلى:17].
فالدنيا، مهما ازدانت ومهما تجمّلت، تبقى محدودة بزمن، ومقيّدة بالنفاد، ومحكومة بفناء، وأمّا ما عند الله (تعالى)، فهو الباقي الذي لا يزول، قال الله (تعالى): "مَا عِندَكُم يَنْفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ" [النحل:96] ومن أدرك هذا لم يُخدع بالظاهر، ولم يُفتن بالزينة، بل عاش متوازنًا، يأخذ من الدنيا ما يعينه على طاعة ربّه دون أن يُسلِّمَ لها مفاتيحَ روحِه.
فليست المشكلة في أن نمتلك الدنيا، بل في أن تمتلكنا هي ونغدو أسرى لها، ومن لم  يك أسيرها مرّ بها مرور العابر، كالضيف، لا مرور المستقرّ المقيم.  فلا يأسى على ما يفوته، ولا يفرح بما يُعطى فرحًا من ظنّ أنّه باقٍ، قال الله (تعالى): "لكِيلا  تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ" [الحديد:23].
وهكذا يكون حرًّا... لا أسيرَ لملذّة، ولا رهينَ شهوة، ولا سجينَ رغبة، بل صاحبَ فؤاد يرى الأشياء على ما هي عليه، لا على ما تُزيّنه له الدنيا. 
وفي الختام، لا بدّ أن نقف عند ما أرشدت إليه النصوص الشريفة من تذكيرٍ دائمٍ بما يهدم لذّات الدنيا، ويهزم سلطانها، ويكسر سطوة التعلّق بها؛ فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أكثروا ذكرَ هادمِ اللذّات" (مستدرك الوسائل، ج9، ص147)، وقال أيضًا: "إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم اثنتان: اتّباعُ الهوى، وطولُ الأمل" (الكافي، ج2، ص357)، فطولُ الأملِ يُنسي الآخرة، ويُغرق العقل في وهم البقاء حتّى يركن إلى الدنيا كأنّها دارُ خلود، لا دارُ عبور وغرور. وقد قال الإمام علي (عليه السلام): "مَن طال أملُه ساء عملُه" (نهج البلاغة، الحكمة 417)، وقال (عليه السلام): "طولُ الأملِ يُفسدُ العمل" (غرر الحكم، ج1، ص45).
وفي المقابل، فإنّ ذكر الموت لا يعني الحزن، واليأس، أو الانقطاع عن الحياة، بل هو تذكير يُطهّر النفس، ويردع اندفاعها نحو الشهوات؛ فقد قال (عليه السلام): "ذكرُ الموت يُميتُ الشهوات في النفس، ويقطعُ منابتَ الغفلة" (بحار الأنوار، ج75، ص12).
وهكذا، بين ذكرٍ يُوقظ، وأملٍ يُقَيَّد، يستقيمُ  ابن آدم، فيمضي في هذه الحياة وهو آخذٌ منها بقدر حتّى يلقى الله (تعالى) بقلبٍ سليم، لم تُثقله لذّة، ولم تُضلّله أمانيّ زائلة.

5e2937efb656d.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!