ليس لأنك ضعفت...
ولا لأنك أخفقت...
بل لأن فيك شيئًا يستحق أن يُمتحن—
يأتي هذا السؤال.
لا في أوقات الراحة،
بل حين تضيق بك نفسك،
وتشعر أن الحياة تميل بك أكثر مما ينبغي.
هناك...
حيث لا أحد يرى ما في صدرك،
ولا يسمع هذا الثقل —
تسأل:
متى... أرتاح؟
﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾
التعب ليس نوعًا واحدًا...
هناك من يختنق بضيق الحياة،
ومن يتآكل تحت وطأة كلام الناس،
ومن ينهار ببطءٍ في جسدٍ أنهكه المرض...
وكلّ واحدٍ يظن أن وجعه هو الأشد.
وهنا...
يولد السؤال الأخطر:
أين العدل؟
الجواب ليس سهلًا،
لكنه حاسم:
نحن لم نُخلق للراحة،
بل خُلقنا للاختبار.
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
كلّ ما يثقلك الآن،
وكلّ ذلك الصوت الذي يهمس في داخلك: لقد تجاوزتُ حدودي...
ليس إلا استنتاجًا مضلّلًا.
لأن ما هو فوق طاقتك حقًا...
ما كان ليُكتب لك من الأصل.
المشكلة ليست في البلاء،
بل في زاوية النظر إليه.
نحدّق في حياة الآخرين من بعيد،
فنراها هادئة... مكتملة... هانئة،
فنظن أن الله شدّد علينا، وخفّف عنهم.
وننسى...
أن بعض البلاء ليس عقوبة،
بل عناية.
حين تقول في زيارة عاشوراء:
اللهم اجعل محياي محيا محمد وآل محمد، ومماتي ممات محمد وآل محمد
تذكّر... ما الذي تطلبه حقًا.
هل كانت حياتهم راحة؟
أم طريقًا ممتدًا من الألم والبلاء؟
رسول الله ﷺ...
لم يُكذَّب ويُتَّهم بالسحر فحسب،
بل أُوذي، ورُمي، وحُوصر.
عليٌّ عليه السلام...
ظُلم، وسُلب حقّه وهو الأحق.
الحسن عليه السلام...
طُعن في سمعته، وأُوذي باتهاماتٍ من المسلمين أنفسهم.
الحسين عليه السلام...
لم يفقد حياته فقط...
بل شهد سقوط أحبّته واحدًا تلو الآخر،
ثم تُركت نساؤه للأسر.
هذا هو الطريق الذي نقول إننا نريده.
طريقٌ...
لم يكن مفروشًا بالراحة،
بل مُعبّدًا بالاصطفاء.
قال الإمام الباقر عليه السلام:
"إنّ الله تبارك وتعالى إذا أحبّ عبداً غتّه بالبلاء غتّاً ، وثجّه بالبلاء ثجّاً ، فإذا دعاه قال: لبيّك عبدي، لئن عجّلت لك ما سألت إنّي على ذلك لقادر، ولئن ادّخرت لك فما ادّخرت لك خير لك."
فالبلاء إذًا...
ليس إشارة رفض،
بل علامة اختيار.
وقال الإمام الصادق عليه السلام:
"لو يعلم المؤمن ما له من الأجر في المصائب، لتمنّى أن يُقرض بالمقاريض."
تخيّل...
إنسان لا يكتفي بالصبر،
بل يتمنى الألم—
لا حبًا به،
بل يقينًا بما وراءه.
لذلك...
حين تثقل عليك الأيام،
لا تسأل: لماذا أنا؟
فهذا السؤال يُغلق الأبواب.
بل اسأل:
ما الأجر العظيم الذي يُخبّأ لي خلف هذا؟
الدنيا لن تتحوّل إلى جنّة،
مهما أتقنت الانتظار.
هي خُلقت ناقصة...
لتقودك إلى الكامل.
أما الراحة الحقيقية...
فلم تُوعد بها هنا أصلًا.
الراحة...
هناك،حيث لا امتحان بعد اليوم.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!