إن للرجال مواقف،
وإن للمؤخرات مواقف.
هناك مواقف للشرف،
وهناك محاضن للترف.
إن للكلمة موقفاً، وإن للموقف كلمة.
إن التاريخ لا يرحم، وإن المواقف تُسجَّل وتُخلَّد.
إن علي بن أبي طالب (ع) لم يُخلِّده التاريخ كونه ابن عم المصطفى (ص)، بل خلَّدته مواقفه،
بطولاته، شجاعته، حكمته.
كثيرون هم من خاضوا الحرب مع النبي (ص)، إلا أنه لم يُذكر لهم في التاريخ أي موقف بطولي، ولا أي شجاعة يفتخر بها من والاهم.
إلا أن لعلي بن أبي طالب (ع) شجاعةً وبطولاتٍ سطَّرتها الأقلام في بطون الكتب، وخطَّها الشرف بحروف من نور، وتناقلتها الألسن شفاهاً جيلاً بعد جيل، فهو من أردى شيبة وعتبة، ومن كسر جبروت ابن وَدّ، ومن شطر مرحباً، ومن دكَّ حصون اليهود.
نعم، كان في وقتها أرمدَ، ففتح عين التاريخ. وفي الحقيقة، العين التي لا ترى بطولات علي (ع) هي العين الرمداء.
نعم، علي (ع) هو الذي فقأ عين الفتنة بعد رحيل رسول الله (ص).
نعم، تجملُ بطولاتُ عليٍّ لك يومَ الجمل، لما دبَّ الشك في نفوس المسلمين. هذا جيش يقوده زوجُ النبيِّ (ص) -وكانت عائشة معه-، ومعها طلحة والزبير، وفي المقابل جيش يقوده إمامُ الحق، وحقُّ إمامٍ أجمع المسلمون على بيعته، وإن كان هو إماماً وخليفةً بنص النبي (ص) والقول الجلي.
نعم، إنها الفتنة عندما يختلط الحابلُ بالنابل، وتعلو السماءَ سحابةُ الشكوك وقطعُ الليل المظلم من الفتن. لكن أخبر النبيُّ (ص) بأن المنجي منها هو علي (ع).
وما انجلت تلك الفتنة حتى تلتها فتنة القاسطين.
فتنة ابن الطلقاء، ابن آكلة الأكباد، وابن النابغة.
فتنة الشام يوم صفين، وما أدراك ما يوم صفين؟
يوم زلزلتِ القلوبُ وطاشتِ العقولُ، وكادت تذهب الأحلامُ.
حربٌ أحرقتِ الأخضرَ واليابس، وكان البأس فيها شديداً.
وكان عليٌّ يزمجر فيها هاتفاً بأصحابه لتخليص الأرض من هذا القلب المنكوس والرجس، كان يحطم الأبطال بسيفه، ويطحنهم طحنَ الرحى.
فكان قائداً يتقدم إمام جيشه لا يهاب الموت، وأما معاوية وعمرُو بن العاص فكانا خلف الجيش.
وفرقٌ بين قائد يحتمي به الجيش، وبين قائد يحتمي بالجيش.
نعم، هو علي مفخرةُ الدنيا، ودنيا المفخرة.
وقف يطالب في ذلك اليوم من ينزل إليه ليبارزه،
فمن ينزل إلى سيف علي، سينزله علي إلى قعر جهنم.
من يبارز عليّاً، فستبرز له النار.
من يجيب صوتَ عليٍّ وقد دعا الشجعانَ لمبارزته.
نعم، نزل إليه عمرو بن العاص بعد أن أغراه معاوية واستخف به.
فأنزله إلى حتفه، وحذفه إلى الموت الحتمي.
نزل عمرو وهو لا يحسن فنون الحرب، ولم يعرف عليَّ بن أبي طالب حقَّ معرفته.
نعم، إنه خداع النفس أن يقابل العصفورَ صقرٌ،
أو يقاتل السنورَ أسدٌ.
ربما أغرته الجائزةُ من معاوية فانخدع، لكنه نزل إطاحةً بالمعركة، وليته لم ينزل.
إنه سيف علي يا عمرو.
إنه علي يا عمرو، ما نزل إليه أحدٌ إلا وأفقره في الدارين.
إلا أن عمراً الحريصَ على الدنيا، أبدى شجاعةً قَلَّ لها النظير، وجاء بمكيدةٍ ما خطرت في الحروب من خطط التقدير.
نعم، أظهر شجاعته عندما أظهر مؤخرته لسيف علي (ع)، فكتب بمؤخرةِ قلمه تاريخَ بني أمية (بنو أمية أصلهم ذهب) كما يزعم أحدهم.
لقد صنع ابن النابغة ذلك التاريخ، بأن حُبَّ الحياة والمصلحة تقتضي أن البقاءَ في الكرسي، والحفاظَ على الدين (كما يزعمون) يقتضي صُنع ذلك.
فبقاء الدين مرهونٌ بكشف المؤخرة.
وهذه ضرورة (والضرورات تبيح المحظورات).
وكاد التاريخ يُعيد نفس الصورة لكن لابن سليمان، إن حفظَ الدين يقتضي (تقبيل المؤخرة).
نعم، هي هذه صناعةُ التاريخ عند بني أمية.
ونرى من اللحى العَفِنَة (لوعاظ السلاطين) من يُكيِّف هذا الكلام - كلام ترامب - تكييفاً فقهياً، بأن لولي الأمر أن يصنع ما فيه مصلحةُ الإسلام والمسلمين.
فاليوم يُقبِّل المؤخرة، وهو مجتهدٌ مأجور.
وغداً يأكل العَذِرَةَ لأعداء الإسلام والمسلمين، لأن في ذلك حفاظاً للدين.
أي دينٍ هذا؟ وأي عقولٍ عفنةٍ؟ وأي لحىً مُعفَّنةٍ ترى الذلَّ والخنوع؟
ألم تتبجحوا علينا برسالة (ولي المسلمين) هارون العباسي إلى ملك الروم عندما لقبه بالكلب: "من هارون أمير المؤمنين إلى نِقفور كلب الروم، قد قرأتُ كتابَك يا ابنَ الكافرة، والجوابُ ما تراه دونَ أن تسمَعَه، والسلامُ"؟
ألم تتبجحوا علينا بقول صلاح الدين الأيوبي؟
فلماذا لم يصنع حكامكم كما صنعوا؟
لكنه الواقع المر، وحقيقة النفاق، والخضوع والخنوع لأمريكا وإسرائيل (ضُرِبَت عليهم الذلة والمسكنة) لحكام العرب وحكام المسلمين الخونة ومن تبعهم من شعوبهم.
المهم الكرسي، لتحترق الأمة ويذهب الدين إلى الجحيم.
المهم التطبيع والتقبيل.
المهم المؤخرة وليست الآخرة.
نعم، هكذا يُصنع التاريخ (بين الكشف والتقبيل).


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!