كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

ليس الألم ما يكسرنا… بل كيف نراه

في حياة الإنسان ظروف لا تمرّ مرورًا عابرًا. بعضها قصير يلمع ثم يختفي، وبعضها يمتد حتى يصبح جزءًا من العمر نفسه.
 
لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا حدث هذا؟
بل: كيف نمرّ به دون أن ننكسر؟
 
ما يخفف ثِقل الحياة أن ندرك أن هناك ظروفًا قهرية لا سلطة لنا عليها؛ كمرض، أو أشخاص لا يتغيرون، أو واقع فُرض دون اختيار.
 
في هذه النقطة تحديدًا، التفكير الزائد لا يصنع وعيًا، بل يفتح باب الانهيار: لماذا أنا؟ ماذا فعلت؟ لماذا يحدث هذا؟
 
أسئلة لا تقود إلا إلى الحزن، وربما إلى ضيقٍ يبتعد فيه القلب دون أن يشعر عن طمأنينته.
 
بدل ذلك، هناك زاوية أهدأ: ليس كل ما لا نفهمه يستحق أن نغرق فيه.
 
كثير من الناس يظنون أن حياتهم أصعب من غيرهم، لأنهم يرون حياتهم من الداخل بكل تفاصيلها، بينما يرون حياة الآخرين من الخارج فقط؛ من منشورات، أو مظاهر، أو لحظات منتقاة.
 
ولو اقتربوا قليلًا من الحقيقة، لاكتشفوا أن كل إنسان يحمل ما يكفيه، وأن لكل أحد ابتلاءه الذي لا يظهر للعيون.
 
المشكلة ليست في الألم... بل في المقارنة.
 
السعادة ليست في حياة بلا مشاكل، بل في القدرة على تجاوزها، وعلى الصبر عليها، وعلى الرضا بما كتبه الله بدل الدوران في دوامة المقارنات.
 
والحقيقة الأهم: حين يكون الإنسان متصلًا بالله سبحانه، فإن الظروف لا تكسره.
 
قد يحزن في البداية، وقد ينكسر لحظة... وهذا طبيعي. لكن لا يسمح للألم أن يتحول إلى شكل حياة كامل.
 
لأنه يدرك: ما دام مع الله، فكل شيء يهون.
 
أكبر ألم ليس في الابتلاء نفسه، بل في الابتعاد عن الله.
 
ومع ذلك، فإن باب العودة لا يُغلق أبدًا؛ باب مفتوح دائمًا للرحمة والتوبة والرجوع.
 
وحين يجعل الإنسان رضا الله أساسه، يكتشف أن ثِقل الحياة لا يختفي، لكنه يفقد قدرته على إسقاطه.
 
يتغير الداخل، لا الخارج.
 
فيشعر بهدوء لا يُفسَّر، وطمأنينة لا تُصطنع، لأنه أصبح على يقين أن كل ما يمر به ليس خارج عين الله سبحانه.
 
ومن الأمور التي تُثقل القلب دون أن نشعر: الحقد.
 
مهما كان الألم، فإن الحقد لا يؤذي من ظلمك... بل يستهلكك أنت.
 
قد تظن أنك تعاقب غيرك به، لكنك في الحقيقة تعاقب نفسك مرتين.
 
القلب الذي يحمل محبة محمد وآل محمد، لا يليق به أن يُثقل بالكراهية.
 
وقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إنا أهل بيت مروءتنا العفو عمن ظلمنا."
 
العفو ليس سهلًا، لكنه يترك في الداخل أثرًا لا يصنعه أي انتصار آخر.
 
تسامح، وادعُ لمن أساء إليك بالهداية... وستدرك لاحقًا أن أثقل ما كان فيك قد خفّ دون أن تدري.
 
ولحماية قلبك وهدوئك، لا تضع كل حزنك في كل يد.
 
بعض الناس لا يخففون الألم... بل يضخّمونه، ويجعلونه أكبر مما هو.
 
اختر من حولك بعناية؛ من يثبتك، لا من ينهكك.
 
وتذكّر: هذه الدنيا لم تُخلق لتكون راحة دائمة، بل ساحة اختبار.
 
والحياة تشبه مشهدًا طويلًا، وأنت تختار دورك فيه: إما أن تبقى ضحية لما يحدث... أو أن تتجاوز كل ذلك وتنمو فوقه.
 
وما دام الطريق هو رضا الله، فكل ما عداه يهون.
 
"المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف."
 
وأخيرًا... لا تترك نفسك للفراغ.
 
فالفراغ ليس فراغًا كما يبدو، بل مساحة يعمل فيها العقل ضدك بصمت.
 
إن لم تشغل نفسك بما ينفعك، شغلتك أفكارك بما يرهقك.
 
اشتغل، تعلّم، اقرأ، طوّر نفسك، ولو بخطوات بسيطة.
 
ستجد أن يومك صار له معنى... وهذا وحده كفيل أن يخفف الكثير.
 
في النهاية، ليست الحياة وعدًا بالراحة، بل مساحة تكشف ما في الداخل لا ما في الخارج.
 
ومن فهم ذلك، لم يعد ينتظر أن تختفي الآلام... بل صار أقوى من أن تُسقطه.
 
ويبقى السؤال الأخير: هل ستُكسر بما تمر به... أم ستصبح النسخة التي لم يعد ما يكسرها بسهولة؟
 
والفرق ليس في الحياة...
بل في القلب الذي يراها.

الالم.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!