لو نظرنا الى القرآن في هذا الجانب لوجدنا قوله تعالى ﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} (113) هود
هذه الآية تبيّن واحداً من أقوى وأهم الاسس والبرامج الإِجتماعية والسياسية والعسكرية والعقائدية، فتخاطب عامة المسلمين ليؤدوا وظيفتهم القطعية فتقول: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) والسبب واضح (فتمسكم النّار وما لكم من دون الله من أولياء) ومعلوم عندئذ حالكم (ثمّ لا تُنصرون).
1 - ما هو مفهوم الرّكون؟
مفهوم "الركون" مشتق من مادة "رُكن" ومعناه العمود الضخم من الحجر أو الجدار الذي يربط البناء أو الأشياء الأُخرى بعضها إلى بعض، ثمّ اطلق هذا اللفظ على الإِعتماد أو الإِستناد إلى الشيء.
وبالرغم من أنّ المفسّرين أعطوا معاني كثيرة لهذه الكلمة في تفسيرهم للآية، ولكنّها في الغالب تعود إلى مفهوم جامع وكلي فمثلا فسّرها البعض بالميل، وفسّرها البعض بـ "التعاون"، وفسّرها البعض بـ "إظهار الرضا"، وفسّرها آخرون بـ "المودّة"، كما فسرها جماعة بالطاعة وطلب الخير، وكل هذه المعاني ترجع إلى الإِعتماد والإِتكاء كما هو واضح.
2 - في أيّ الأُمور لا ينبغي الرّكون إلى الظالمين؟
بديهي أنّه في الدرجة الأُولى لا يصح الإِشتراك معهم في الظلم أو طلب الإِعانة منهم، وبالدرجة الثّانية الإِعتماد عليهم فيما يكون فيه ضعف المجتمع الإِسلامي وسلب استقلاله واعتماده على نفسه وتبديله إلى مجتمع تابع وضعيف لا يستحق الحياة، لأنّ هذا الركون ليس فيه نتيجة سوى الهزيمة والتبعية للمجتمع الإِسلامي.
وأمّا ما نلاحظه أحياناً من مسائل التبادل التجاري والروابط العلمية بين المسلمين والمجتمعات غير الإِسلامية على أساس حفظ منافع المسلمين واستقلال المجتمعات الإِسلامية وثباتها، فهذا ليس داخلا في مفهوم الركون إلى الظالمين ولم يكن شيئاً ممنوعاً من وجهة نظر الإِسلام، وفي عصر النّبي نفسه (صلى الله عليه وآله وسلم) والأعصار التي تلته كانت هذه الأُمور موجودة وطبيعية أيضاً.
3 - فلسفة تحريم الركون إلى الظالمين
الرّكون إلى الظالمين يورث مفاسد كثيرة لا تخفى على أحد بصورتها الاجمالية ولكن كلّما تفحصنا في هذه المسألة أكثر اكتشفنا مسائل دقيقة جديدة.
فالركون إلى الظالمين يبعث على تقويتهم، وتقويتهم مدعاة إلى اتساع رقعة الظلم والفساد في المجتمعات، ونقرأ في الأوامر الإِسلامية أنّ الإِنسان ما لم يُجبر"وفي بعض الأحيان حتى مع الإِجبار" لا يحق له أن يراجع القاضي الظالم من أجل اكتساب حقّه، لأنّ مراجعة مثل هذا القاضي الحاكم الجائر من أجل إِحقاق الحق مفهومها أن يعترف ضمناً برسميته وتقواه، ولعل ضرر هذا العمل أكبر من الخسارة التي تقع نتيجة فقدان الحق.
والركون إلى الظلمة يؤثر تدريجاً على الثقافة الفكرية للمجتمع، فيضمحل مفهوم "قبح الظلم" ويؤدي بالناس إلى الرغبة في الظلم.
وأساساً لا نتيجة من الركون إلى الغير بصورة التعلق والإِرتباط الشديد إِلاَّ سوء الحظ والشقاء، فكيف إِذا كان هذا الركون إلى الظالمين؟
إِنّ المجتمع الحضاري المقتدر هو المجتمع الذي يقف على قدميه، كما يعبر القرآن الكريم في مثل بديع في قوله تعالى الآية {..فاستوى على سوقه..} 29 الفتح
والمجتمع الحرّ المستقلّ هو المجتمع الذي يكتفي ذاتياً، وارتباطه أو تعاونه مع الآخرين هو ارتباط على أساس المنافع المتبادلة لا على أساس رُكون الضعيف إلى القوي، لأنّ هذا الركون - سواء كان من جهة فكرية أو ثقافية أو اقتصادية أو عسكرية أو سياسية - لا يخلّف سوى الأسر والإِستثمار، ولا يثمر سوى المساهمة في ظلمهم والمشاركة في خِططَهم.
وبالطبع فإنّ الآية المتقدمة ليست خاصّة بالمجتمعات فحسب، بل تشمل العلاقة والإِرتباط بين فردين أيضاً، فلا يجوز لإِنسان مؤمن أن يركن إلى أي ظالم، فإنّه إضافة إلى فقدان استقلاله لركونه إلى دائرة ظلمه، فيسؤدي إلى تقويته واتساع الفساد والعدوان كذلك.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!