اليومُ هو يومُ عيدِ الغدير، وهو ليس مجرَّدَ يومٍ في تقويمِ الزَّمن، بل هو لحظةُ اكتمالٍ في مسارِ الرِّسالة، وعهدٌ إلهيٌّ ارتبط فيه الدِّينُ بالولاية، والحقُّ بالقيادة، والنُّورُ بالهداية. فيه قال (عزَّ وجلَّ): "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" المائدة، آية (٦٧)، ففي الثَّامن عشر من ذي الحجَّة، وقف الرَّسولُ الأكرمُ (صلّى الله عليه وآله) في غديرِ خُمٍّ ليُعلن أمامَ الأمَّة قولَه الخالد: "من كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه" (الاحتجاج للطَّبرسي، والغدير للأميني)، فكانت تلك اللَّحظة بدايةَ وعيٍ جديدٍ في فهمِ معنى الإمامة، والامتداد الحقيقيِّ للرِّسالة.
فنزلت الآيةُ الكريمة: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" سورة المائدة، الآية (٣).
ومن هنا اكتسب عيدُ الغدير مكانتَه العظمى في رواياتِ أهلِ البيت (عليهم السَّلام)، حتّى قال الإمامُ جعفرُ بنُ محمَّدٍ الصَّادق (عليه السَّلام): "هو عيدُ الله الأكبر" (تهذيب الأحكام)، وقال (عليه السَّلام): "ما بعث الله عزَّ وجلَّ نبيًّا قطُّ إلَّا وتعيَّد في هذا اليوم وعرف حُرمته" (تهذيب الأحكام)، وفي تعبيرٍ آخر: "لعلَّك ترى أنَّ الله عزَّ وجلَّ خلق يومًا أعظمَ حُرمةً منه؟ لا والله، لا والله، لا والله" (تهذيب الأحكام)، وهي نصوصٌ تُظهر عظمةَ هذا اليوم في الوجدانِ الدِّيني.
وهو يومُ فرحٍ إلهيٍّ، فقد ورد عن الإمامِ الصَّادق (عليه السَّلام) أنَّه يومُ شكرٍ وسرورٍ بنعمةِ الولاية؛ ولذلك شُرِّع فيه إظهارُ البهجة، وإعلانُ الفرح، لا بوصفه عادةً اجتماعيَّةً، بل بوصفه عبادةً مرتبطةً بالولاء. كما جاء عن الإمامِ عليِّ بنِ موسى الرِّضا (عليه السَّلام): "وهو يومُ التَّهنئة، يُهنِّئ بعضُكم بعضًا" (إقبال الأعمال)، ويقول المؤمنُ لأخيه: الحمدُ للهِ الَّذي جعلنا من المتمسِّكين بولايةِ أميرِ المؤمنين (عليه السَّلام)، وهو أيضًا "يومُ التَّبسُّم في وجوهِ أهلِ الإيمان" (إقبال الأعمال).
ومن مظاهرِ هذا الفرح أنَّه "يومُ الزِّينة" (إقبال الأعمال)، فيُستحبُّ فيه التَّطيُّب، ولبسُ أحسنِ الثِّياب، وإظهارُ النِّعمةِ والسُّرور، كما رُوي عن الإمامِ الرِّضا (عليه السَّلام). كما أكَّدت الرِّواياتُ على التَّوسعةِ على الأهلِ والإخوان، وإدخالِ السُّرور على قلوبِ المؤمنين، ومن ذلك ما رُوي: "ودرهمٌ فيه لإخوانك العارفين بألفِ درهم" (إقبال الأعمال)، في إشارةٍ إلى عظمةِ الهديَّة، والعطيَّة، والعيديَّة في هذا اليوم المبارك.
إنَّ الغدير ليس فرحًا خارجيًّا فحسب، بل هو ولاءٌ داخليٌّ عميقٌ، يُختبر فيه صدقُ الإيمان. فقد قال رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) في حقِّ الإمامِ عليٍّ (عليه السَّلام): "يا عليُّ، لا يحبُّك إلَّا مؤمن، ولا يُبغضك إلَّا منافق" (صحيح مسلم، والكافي)، فصار حبُّه ميزانًا يُعرف به الإيمانُ من النِّفاق، والصِّدقُ من الادِّعاء. وروي أيضًا: "ما كنَّا نعرف المنافقين إلَّا ببغضهم عليَّ بن أبي طالب" (المستدرك على الصَّحيحين، ومناقب ابن المغازلي)، في دلالةٍ على أنَّ الموقفَ منه (عليه السَّلام) موقفُ عقيدةٍ لا مجرَّد عاطفة. فحبُّ عليٍّ سيماءُ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنة.
وكما جاء في حديثِ الثَّقلين المتواتر: "إنِّي تاركٌ فيكم الثَّقلين، كتابَ الله وعترتي أهلَ بيتي، ما إن تمسَّكتم بهما لن تضلُّوا بعدي أبدًا" (صحيح مسلم، وعيون أخبار الرِّضا)، فكان القرآنُ نورًا، وكانت العترةُ الطَّاهرةُ (عليهم السَّلام) طريقًا لذلك النُّور، فهم القرآنُ النَّاطق، وسفينةُ النَّجاة للباحثين عن الحقِّ في كلِّ زمان، فلا يُرى في مهبِّ الرِّياح غيرُ شراعهم.
ويُروى في بعضِ النُّصوص: "يا عليُّ، أنت قسيمُ الجنَّةِ والنَّار" (الأمالي للصَّدوق، وبحار الأنوار)، وهو تعبيرٌ عن عظمةِ المقامِ الَّذي خصَّ اللهُ به أميرَ المؤمنين (عليه السَّلام) في ميزانِ العدلِ الإلهيِّ، بمعنى كونه معيارًا للحقِّ والباطل، لا استقلالًا عن إرادةِ الله (تعالى)، بل بإذنِه وحكمتِه.
وقد بلغ من عظمةِ مقامِ أميرِ المؤمنين (عليه السَّلام) أن جعل رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) حبَّه علامةً للإيمان، وبغضَه علامةً للنِّفاق، فقال: "يا عليُّ، لا يحبُّك إلَّا مؤمن، ولا يُبغضك إلَّا منافق" (صحيح مسلم، والكافي). وروت بعضُ النُّصوص: "لا يُبغضك إلَّا ثلاثة: ولدُ زنا، أو منافق، أو من حملت به أمُّه في بعضِ حيضها" (موسوعة الإمام عليٍّ في الكتاب والسُّنَّة والتَّاريخ)، وفي روايةٍ أخرى: "لا يحبُّني ثلاثة: ولدُ زنا، ومنافق، ورجلٌ حملت به أمُّه في بعضِ حيضها" (موسوعة الإمام عليٍّ في الكتاب والسُّنَّة والتَّاريخ). وهي نصوصٌ تُعبِّر عن أنَّ الموقفَ من أميرِ المؤمنين (عليه السَّلام) ليس موقفًا عابرًا، ولا مجرَّد انتماءٍ تاريخيٍّ، بل ميزانٌ تُعرف به سلامةُ الفطرة، وطُهرُ النَّفس، وصدقُ الولاء للحقِّ الَّذي مثَّله عليٌّ (عليه السَّلام) في حياتِه كلِّها.
ومن هنا يصبح الغديرُ مدرسةً متكاملةً: مدرسةَ ولاءٍ، وعدلٍ، وإنسانيَّةٍ، وارتباطٍ بالله (تعالى)، حيث لا ينفصل الدِّينُ عن الحياة، ولا العقيدةُ عن السُّلوك، ولا الحبُّ عن العمل.
فهو يومٌ تُفتح فيه القلوبُ قبل الأبواب، وتُرفع فيه الأيدي بالدُّعاء، وتُقدَّم فيه التَّهاني، وتُوزَّع فيه الهدايا، وتُزهر فيه الأرواحُ بحبِّ أميرِ المؤمنين (عليه السَّلام)، وكأنَّ العالمَ يعود إلى تلك اللَّحظةِ الأولى في غديرِ خُمٍّ ليُجدِّد العهدَ من جديد.
فالسلامُ على وليدِ الكعبةِ أميرِ المؤمنين عليِّ بنِ أبي طالبٍ (عليه السَّلام)، يومَ وُلِد في بيتِ الله الحرام، ويومَ عاش للحقِّ، ويومَ أُعلنت ولايتُه في غديرِ خُمٍّ، ويومَ استُشهد في محرابِ العبادة، ويومَ يُبعث حيًّا، وفي كلِّ وقتٍ وحين، والسَّلامُ على من أحبَّه وتولَّاه، والسَّائرين على نهجِه إلى قيام يومِ الدِّين.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!